فهرس الكتاب
إن الإيمان اعتقاد وقول وعمل وإن العبادة التي خلقنا من أجلها يشترك فيها القلب بالاعتقاد واللسان بالإقرار والجوارح بالعمل، ألم تر إلى الذي كان يصلي ويعبث بلحيته فقال عنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ:"لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه".
كذلك الأسماء الحسنى التي تعبدنا الله بإحصائها لابد فيها من اعتقاد بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالجوارح.
إن كل اعتقاد سليم يجب أن يظهره الإقرار الصريح، وكل اعتقاد وإقرار لابد أن يصدقهما العمل الصالح والسلوك السليم، وإلا فالأمر زيف وانحراف وادعاء وإسراف.
ذلك أن الذي يكتفي بفهم معاني أسماء الله تعالى ليس إلا كأي عالم لغوي من أي دين، أو بدون دين.
والذي يعتقد بقلبه دون إقرار وعمل، لا يخرج كثيرا عن دائرة المغضوب عليهم من الذين عرفوا الحق ولم يعملوا به.
والذي يقر بلسانه ـ دون أن يفهم عقله ويطمئن قلبه ـ لا يبتعد كثيرا عن دائرة الكافر الذي يردد معتقدات أجنبية عنه، أو الأحمق والببغاء اللذين يلقنان قول ما لا يفهمان، وكل ما يفعلانه أنهما يبرهنان على سلامة حاسة السمع التي استمعا بها إلى الكلام، وسلامة اللسان الذي ردداه به، وهذه صفات لا ترفع صاحبها كثيرا عن درجة الحيوان سليم السمع واللسان.
أما الذي يفهم معانيها ويعتقد ثبوتها ويقرها بلسانه دون أن تؤثر في سلوكه فهو لا يكاد يخرج عن دائرة المقت التي توعد الله بها أمثاله حيث قال: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُون كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ) الصف 2 - 3
ذلك أن الله شهد لهؤلاء في هذه الآية الكريمة بالإيمان (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا) ، ولكنه وعدهم بالمقت الكبير؛ لأن إيمانهم وإقرارهم لم يؤديا إلى تغيير في سلوكهم أو رفع لمستوى أخلاقهم.
إن التوحيد الحق شقان لا غنى لأحدهما عن الآخر: