الصفحة 50 من 123

ثم ضرب سبحانه وتعالى لهذه الفتن مثلا فيما يقع بين المؤمنين من تخاصم وتقاتل، فقال: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما، فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله، فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين} (الحجرات 9) ثم أكد القاعدة الأصل والوشيجة المتينة في الصف المؤمن، التي هي الأخوة في الله فقال: {إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم} (الحجرات 10) ، وهو ما بينته السنة النبوية في أحاديث كثيرة منها قوله صلى الله عليه وسلم:"المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه"-"مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى"-"المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص - وشبك بين أصابعه -"-"منزلة المؤمن من المؤمن منزلة الرأس من الجسد، متى اشتكى الجسد اشتكى له الرأس ومتى ما اشتكى الرأس اشتكى سائر الجسد". وقد أورد أبو داود في كتاب الأدب ما روي عن النبي _ صلى الله عليه وسلم _ أنه قال:"مامن امرئ يخذل امرءا مسلما في موضع تنتهك فيه حرمته وينتقص فيه من عرضه إلا خذله الله في موطن يحب فيه نصرته، وما من امرئ ينصر مسلما في موضع ينتقص فيه من عرضه وينتهك من حرمته إلا نصره الله في موطن يحب نصرته"- الحديث رقم 4884 - ؛ ثم قرن الصلح بين المؤمنين المتخاصمين بالتقوى وجعله مدعاة لنزول الرحمة عليهم بقوله تعالى: {واتقوا الله لعلكم ترحمون} (الحجرات 10) ، لأن الميل للصلح وإيثاره، انبثاق فطري من التقوى، والتقوى هي القناة الغيبية التي تنزل منها الرحمة.

4 -في علاقة المؤمن مع عموم بني جنسه، وخصوص إخوته المؤمنين في حال حضورهم والتعامل المباشر معهم.

قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن، ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون} (الحجرات 11) .

فبين المعاملة التي ينبغي أن تكون بين الأقوام رجالا ونساء، شعوبا وقبائل بكافة ألوانهم وعقائدهم ومراتبهم الاجتماعية، وحث المؤمنين على أن يكونوا القدوة في الالتزام بهذا التوجيه القرآني الذي ينهى عن ثلاث مساوئ خلقية تمنع المودة وتصد عن طريق الحق، وتثير الأحقاد والفتن والعناد، وهي: السخرية واللمز والنبز.

فالسخرية هي أن ينظر الإنسان إلى أخيه بعين الاحتقار والاستصغار، ولعل من سخرت منه أو احتقرته أعلى وأجل منك في ساعته تلك، ولعله يتوب بعد ذلك فتقبل توبته

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت