فهرس الكتاب
-وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى طه 82
وهو نفس النهج الذي سارت عليه آية التواضع وما تلاها في سورة الإسراء (وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولا كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورا) 37 - 38 - 39 الإسراء؛ وهي تتمة خمسة وعشرين نوعا من التكاليف العملية التي تقدمها الأمر بالتوحيد (لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولا وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ) الإسراء22 - 23، ثم توجت في نهايتها بالنهى عن الشرك (وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورا) الإسراء 39.
ولعل الأمر يزداد وضوحا في الآية 54 من سورة المائدة إذ ربطت بين الإيمان وبين محبة الله وخلق التواضع، مقابل الردة بالتخلى عن هذه الصفات (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَاتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ .. الآية) ، ذلك أن الربط بين الردة وبين استبدال أحباب الله المتواضعين إشارة بينة إلى أن التواضع بعد توحيد الخالق سبيل الثبات على الحق والفوز بمحبة الله تعالى، وأن التكبر استعلاء على القيم والمبادئ الدينية وذريعة إلى الردة.
إن مشية المرح التي نهت عنها الآية الكريمة هي مشية الخيلاء والبطر والأشر والتبختر والفرح بالدنيا ومقتنياتها من المال والجاه والقوة والولد، مشية الجبارين؛ ولذلك عقب عليها عز وجل بما يعد تهكما وسخرية بصاحبها المتكبر الذي يعد كل شيء أحقر منه (إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولا) ، منبها إلى أنه مهما شدد وطأته على الأرض فلن يخرقها، ومهما تطاول بقامته تعاظما فلن يبلغ الجبال طولا، وهو في كل الأحوال عبد ذليل محاط به من تحته ومن فوقه، والمحاط محصور ضعيف، بل قد يعجل له في الدنيا بعض جزاء استكباره واستعلائه كما ثبت في الصحيح (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ بَيْنَمَا رَجُلٌ يَتَبَخْتَرُ يَمْشِي فِي بُرْدَيْهِ قَدْ أَعْجَبَتْهُ نَفْسُهُ فَخَسَفَ اللَّهُ بِهِ الْأَرْضَ فَهُوَ يَتَجَلْجَلُ فِيهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) مسلم، وكما ورد في التنزيل عن قارون بني إسرائيل وقد خرج على قومه في زينته (فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ) القصص81.
ثم أجمل عز وجل ما ورد من التكاليف أمرا ونهيا عقيدة وسلوكا خصالا حسنة وأخرى رديئة، مخبرا بأن ما هو سيئ منها يحرم إتيانه (كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا) .
وفي هذه الآية قراءة سبعية أخرى هي قراءة نافع وابن كثير وابن عمرو (سيئة) بالنصب، أي فاحشة مؤاخذا عليها لا يرضاها الله تعالى، وتعني ما ورد في هذه الآيات كلها من المنهيات.
هذه الخصال الواردة في سورة الإسراء ضمن ثماني عشرة آية، تعد شرائع واجبة الرعاية غير قابلة للنسخ في جميع الملل والأديان، قال عنها ابن عباس إنها وردت في ألواح موسى، ونسبها رب العزة للوحي وسماها حكمة (ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ) ، لأنها مصالح محكمة لا يدخلها