فهرس الكتاب
الفساد. وكما أن رأس الحكمة معرفة الحق لذاته وهو التوحيد، ومعرفة الخير الذي هو التكاليف والطاعات للعمل به، كذلك جعل الله تعالى فاتحة هذه التوجيهات الأمر بالتوحيد (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ) وخاتمتها النهي عن الشرك (وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورا) لأن ذلك هو رأس الحكمة وملاكها، ومن عدم التوحيد لم ينتفع بعلم ولم ترشده حكمة.
ثم رتب على الأمر بالتوحيد في البداية نتيجة المخالفة في الدنيا وهي الذم والخذلان (لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولا) أي مبغضا محقرا ضعيفا، ورتب على النهي عن الشرك في الختام نتيجة المخالفة في الآخرة (مَلُومًا مَدْحُورا) أى مبعدا مطرودا من رحمة الله تعالى؛ والمراد بهذا الخطاب هو الأمة بواسطة الرسول صلى الله عليه وسلم، لأنه عليه الصلاة والسلام معصوم عن الشرك وسوء الخلق.
كما أن من غريب الإعجاز في ترتيب هذه التوجيهات القرآنية ربطها الأمر بالتوحيد في أولها بأخطر معصية بعد الشرك وهي عقوق الوالدين (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانا) ، وربط النهي عن الشرك في ختامها بالتواضع واجتناب الكبر والتعاظم.
لذلك قال تعالى (فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ) النحل 29 ... ذلك أن الكبر مرض نفسي وخلل سلوكي يبدأ صغيرا لا يؤبه به، ثم ينمو ويتضخم إلى أن يتحول فتنة عمياء ووباء اجتماعيا يمزق الأمة ويفرقها شيعا متناحرة وطبقات متنافرة.
يستهل المريض مسيرته هذه معجبا بنفسه، ثم تائها مزهوا مفاخرا، ثم متعاليا متطاولا، ظانا أنه أكبر من غيره، ثم متخايلا يظن في نفسه ما ليس فيها، ثم أصيد لا يلتفت يمنة ويسرة، ثم متغطرسا نرجسيا متخذا من نفسه محرابا يتعبدها فيه.
ولئن كان من أسباب الارتكاس في هذه العاهة السلوكية زيادة مال المرء أو جاهه أو سطوته أو علمه، فإن من الأسباب الأخرى أيضا عقدا نفسية تتعلق بإحساس داخلي في المتكبر، بالهوان والذل والصغار يريد أن يجبره بالتعالي والغطرسة انتقاما من الناس كما يخيل إليه.
لذلك ورد التحذير من الكبر منثورا في ثنايا سور القرآن الكريم والتوجيهات النبوية الرشيدة، فقال عز وجل:
- (سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ) الأعراف 146
- (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا) الفرقان63
- (وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُور) لقمان18
وقال صلى الله عليه وسلم: