فهرس الكتاب

الصفحة 71 من 182

ولعل أبلغ دليل على أن الإسلام دين وسياسه ، أن طريقته في اختيار الولاة ، وفى شغل المناصب - العامة ، هى طريقة ممعنة في الواقعية ، وفى جعل أساس الاختيار هو الكفاءة وحدها ، والمقدرة على تحمل التبعة والقيام بمهام المنصب دون أى اعتبار اخر . ويذهب الإسلام في هذا الحد إلى أقصى ما يأمر به نظام دنيوى لصلاح الدنيا وأمورها ،"فالواجب في كل ولا ية الأصلح بحسبها فإذا تعين رجلان ، أحدهما أعظم أمانة ، والاخر أعظم قوة ، قدم أنفعهما لتلك الولاية ، وأقلهما ضررا فيها ، فيقدم في إمارة الحروب الرجل القوى الشجاع ، وإن كان فيه فجور ، على الرجل الضعيف العاجز وإن كان أمينا . كما سئل الإمام أحمد عن الرجلين يكونان أميرين في الغزو ، وأحدهما قوى فاجر ، والاخر صالح ضعيف ، مع أيهما يغزو ؟ فقال: أما الفاجر القوى ، فقوته للمسلمين وفجوره على نفسه ، وأما الصالح الضعيف ، فصلاحه لنفسه ، وضعفه على المسلمين ، فيغزو مع القوى الفاجر . وقد قال النبى صللى الله عليه وسلم"إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر". ولهذا كان النبى صلى الله عليه وسلم يستعمل خالد بن الوليد على الحرب منذ أسلم مع أنه كان أحيانا يعمل ما ينكره النبى صلى الله عليه وسلم ، حتى إنه مرة رفع يديه إلى السماء وقال:"اللهم إنى أبرأ إليك مما فعل خالد"لما أرسله إلى جزيمة فقتلهم وأخذ أموالهم بنوع شبهة ، ولم يكن يجوز ذلك ، وأنكره عليه بعض من معه من الصحابة . حتى وداهم النبى صلى الله عليه وسلم وضمن أموالهم . ومع هذا فمازال يقدمه في إمارة الحرب . لأنه كان أصلح في هذا الباب من غيره . وفعل ما فعل بنوع تأويل ."

وكان أبو ذر رضى الله عنه أصلح منه في الأمانة والصدق . ومع هذا فقد قال له النبى صلى الله عليه وسلم"يا أبا ذر إنى أراك ضعيفا وإنى أحب لك ما أحبه لنفسى ، لا تأمرن على اثنين ، ولا تولين مال يتيم"رواه مسلم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت