الصفحة 11 من 32

فيا أسفى على ما يعمل الدود والثرى ... بوجه جميل كان لله يخجلُ

وما يفعل الوجه الوسيم إذا ثوى ... وصار ضجيع القبر يعلوه جندلُ

وبطن بدا فيه الردى ثم لم تر ... دقيق الثرى في مقلتيه يتهرولُ

أعينيَّ جودا بالدموع عليكما ... فحزني على نفسي أحق وأجملُ

أيا مدعي حبي هلمَّ بنا إذا ... بكى الناس نبكي للفراق ونعملُ

دعي اللهو- نفسي- واذكري حفرة البلى ... وكيف بنا دود المقابر يفعلُ

إلى الله أشكو لا إلى الناس حالتي ... إذا صرت في قبري وحيدًا أململُ

أخي: يا مبارزًا بالذنوب خذ حذرك، وتوق عقابه بالتقى فقد أنذرك، وخلِّ الهوى كما ترى ضيرك قبل أن يغضب الإله ويضيق حبسه { وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ } [1] .

قال أبو علي الدقاق رحمه الله: «دخلت على أبي بكر بن فورك رحمه الله عائدًا له في مرضه، فلما رآني دمعت عيناه، فقلت له: إن الله يعافيك ويشفيك!!

فقال لي: وتظنني أخاف من الموت؟!! إنما أخاف من بعد الموت!!

ثم بكى وأبكى من حوله رحمه الله تعالى» [2] .

وقال مالك بن دينار رحمه الله: «دخلت على جار لي وهو في الغمرات يعاني عظيم السكرات، يغمى عليه مرة ويفيق أخرى، وفي قلبه لهيب الزفرات، وكان منهمكًا في دنياه، متخلفًا عن طاعة ربه ومولاه، فقلت له: يا أخي: تب إلى الله، وارجع عن غيِّك، عسى المولى أن يشفيك من ألمك ويعافيك من مرضك وسقمك، ويتجاوز بكرمه عن ذنبك، فقال: هيهات!! هيهات!! قد دنا ما هو آتٍ، وأنا ميت لا محالة، فيا أسفى على عمر أفنيته في البطالة!! وكلما أردت أن أتوب مما جنيت سمعت هاتفًا يهتف من زاوية البيت: عاهدتنا مرارًا، فوجدناك غدارًا، فنعوذ بالله من سوء الخاتمة» [3] .

الموعظة السادسة

(1) كتاب التبصرة - لابن الجوزي -.

(2) كتاب وفيات الأعيان - لابن خلكان -.

(3) كتاب بحر الدموع - لابن الجوزي -.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت