الاتجاهات الفقهية في فقه حديث"لقيط بن صبرة"
في باب مفطرات الصيام
إعداد الشيخ /
فؤاد بن يحيى هاشم
فقه حديث"لقيط بن صبرة": (وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما) .
المطلب الأول: نص الحديث:
عن لقيط بن صبرة رضي الله عنه قال: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما) أخرجه الخمسة.
وهو حديثٌ صحيحٌ، أكاد أقول: بإجماع أهل الصنعة.
المطلب الثاني: مسالك أهل العلم في فقه الحديث في باب المفطرات:
هناك مسلكان رئيسان في المسألة:
المسلك الأول: هو اعتباره دالا على أحكام مفطرات الصيام.
وهذا مسلك الجمهور، وعليه عامة أهل العلم، ومنهم الأئمة الأربعة، وجملة أصحابهم.
وهؤلاء أيضًا على طريقتين:
الطريقة الأولى: التوسع في الاستدلال به، وهي طريقة غالب الفقهاء.
الطريقة الثانية: تقييد الاستدلال به في مناطق محدودة، وهي طريقة جماعة من المالكية والشافعية، واختارها بعض الفقهاء كالولوالجي من الحنفية، وابن تيمية من الحنابلة.
المسلك الثاني: اعتباره غير دالٍ على أحكام مفطرات الصيام:
وهذا مسلك جماعةٍ قليلةٍ مِنْ أهل العلم، لم أره إلا عن اثنين، وهما:
1 -ابن حزم الظاهري.
2 -يوسف القرضاوي.
وبما سبق يتبين:
أن هناك اتجاهين رئيسين في دلالة حديث لقيط بن صبرة على أحكام مفطرات الصيام، وهما:
1 -اعتباره دالا.
2 -اعتباره غير دال.
كما تبين:
أنه عند التفصيل تتسع القسمة لتكون مشمولة ثلاث اتجاهات، فيقال:
لأهل العلم في دلالة حديث لقيط بن صبرة على مفطرات الصيام مسالك ثلاثة:
المسلك الأول: التوسع في دلالته. [الجمهور] .
المسلك الثاني: تقييد دلالته. [طائفة قليلة] .
المسلك الثالث: عدم دلالته. [طائفة أقل] .
المطلب الثالث: مراتب الاستدلال بهذا الحديث:
الاتجاه الأول: اعتبار حديث"لقيط بن صبرة"غير دال على أحكام المفطرات:
وتبنى هذا الاتجاه ابن حزم الظاهري، ويوسف القرضاوي، ولكل واحد منهما مأخذ مختص في بيان عدم إفادة الحديث للدلالة على المفطرات:
أولًا: ابن حزم الظاهري:
ومستنده في ذلك كما يلي:
••ليس في حديث لقيط بن صبرة: أنه يفطر الصائم بالمبالغة في الاستنشاق.
••وإنما فيه: إيجاب المبالغة في الاستنشاق لغير الصائم، وسقوط وجوب ذلك عن الصائم فقط، لا نهيه عن المبالغة، فالصائم مخير بين أن يبالغ في الاستنشاق، وبين أن لا يبالغ فيه، وليس في سقوط الفرض ما يوجب المنع منها.
قلت: ما ذكره ابنُ حزمٍ رحمه الله يتفق مع أصوله الظاهرية، ولذلك فقد غلَّط بعضَ أصحابه مِنْ أهل الظاهر الذين اعتبروا حديث لقيط دالًا على نهي الصائم عن المبالغة في الاستنشاق؛ وسبب تغليطه إياهم هو ما سبق أن حديث لقيط بن صبرة ليس فيه ذلك، وإنما فيه أمر غير الصائم بالمبالغة، أما أمر الصائم فمسكوتٌ عليه، فيبقى في دائرة الإباحة.
ثانيًا: يوسف القرضاوي:
حاول الـ د. القرضاوي حفظه الله أن يجيب عن حديث لقيط بن صبرة؛ لأنه كان له أثر في توسيع دائرة المفطرات، فذكر بعض الملاحظات على هذا الحديث، وهي كالتالي:
1 -أنه لم يرد في الصحيحين، مما يدل على أن رتبتهما دون ما اشترطاه في صحيحيهما.
2 -أنه على التسليم بصحة الحديث فإنه لم يجيء بلفظ عام، بل جاء خطابا خاصا لشخص معين يسأل عن الوضوء.
3 -أنه لم ينص على أن الماء إذا وصل إلى الجوف من طريق الأنف يفطر، بل كل ما فيه النهي عن المبالغة في حالة الصوم، فقد يدخل الماء عند المبالغة إلى فمه، ومن فمه إلى جوفه، وقد ينهى عن الشيء وإن لم يفطر، وقد جاء عن بعض السلف في أشياء معينة قالوا: لا تفطر ولكن ينهى عنها.
4 -أنه على التسليم بأن وصول الماء إلى الجوف من الأنف يفطر، فإنه لا يسلم بالتوسع في إلحاق أشياء أخرى بهذا، لأن الأصل في العبادات الوقوف عند النص، ولا يتوسع في القياس فيها، ولأن هذا الحديث جاء على خلاف الأصل في أمر الصيام، فيحفظ ولا قياس عليه.
وفي كلام الدكتور القرضاوي جملة مِنْ الملاحظات، وهي كما يلي:
1 -قوله: (إن الحديث ليس في الصحيحين مما يدل على أنه لم يرد في الصحيحين، مما يدل على أن رتبتهما دون ما اشترطاه في صحيحهما.) ، وهذا مسلَّمٌ، وليس يعني في الأمر شيئا، فليس يشترط في اعتبار النصوص أن تكون في رتبة أحاديث الصحيحين؛ فإن دائرة الحديث الصحيح المحتج به أوسع مِنْ دائرة الصحيحين، وهذا بإجماع الأمة، وعلى رأسهم الإمامان البخاري ومسلم.
على أن الحاكم خرَّجه على شرط الشيخين، وذكر عذرًا في عدم إخراج الشيخين له، وهو التفرد عن الصحابي، وناقشه أهل العلم في هذا العذر، وأن في الصحيحين جملة مما هو على هذا النمط.
وسبق أن العلماء على تصحيح الحديث وقبوله، ولا يكاد يعرف مَنْ أعله، إلا في بعض التفاصيل.
وما كنتُ أحب للشيخ يوسف القرضاوي على علو منزلته أن يتعرَّض للحديث الصحيح، ولو كان لديه ما يقوله غير ما ذكره لقاله، مما يؤكد أنه لا مطعن له في الحديث من ناحية السند.