الصفحة 12 من 33

ثم اختلف القائلون بالفطر بالمبالغة وهم الحنفية والمالكية والشافعية فيما إذا وصل الماء من غير مبالغة على قولين:

الحنفية والمالكية: يفطر.

الشافعية: لا يفطر.

وبه نعرف كذلك:

أن أوسع المذاهب في الإفطار في هذه المسألة:

هما مذهبي الحنفية والمالكية: إذ يقع الإفطار عندهم بمجرد وصول الماء ولو لم يكن عن مبالغة.

بينما أضيق المذاهب في الإفطار هو مذهب ابن حزم والحنابلة: وهو عدم الإفطار مطلقًا ولو وصل الماء عن طريق المبالغة، وإن كان مذهب ابن حزم أوسع من جهة أنه لا يرى بأسا في المبالغة.

بينما كان مذهب الشافعي في هذه المسألة متوسطًا: فالفطر يقع عنده إذا وصل الماء من المبالغة لا من غيره.

ـــــــــــــــــــ

( [1] ) حكم المبالغة في الاستنشاق أو المضمضة واحد وإن كان الماوردي ذكر فرقا بينهما من حيث المعنى إذ يقول:

والفرق في الصائم بين أن يبالغ في المضمضة ولا يبالغ في الاستنشاق؛ لأنه يمكنه بإطباق حلقه رد الماء عن وصوله إلى جوفه ولا يمكنه رد الماء بخيشومه عن الوصول إلى رأسه. الحاوي في (1/ 106) .

المسألة الرابعة: السُّعوط

السعوط: دواء يصب في الأنف، وهو بضم السين هو نفس الفعل وهو جعل الشيء في الأنف وجذبه إلى الدماغ، وبفتحها: اسم للشيء الذي يتسعطه كالماء والدهن وغيرهما

وفيه قولان:

القول الأول: أنه مفطر

وهذا قول الفقهاء الأربعة.

وحكاه الترمذي عن أهل العلم، وذكر أن في الباب ما يقوي قولهم.

دليل حصول الفطر بالسعوط:

هو حديث لقيط بن صبرة، فهو دالٌ على أن الدماغ ( [1] ) جوفٌ يحصل الفطر بوصول شيء إليه، ولو كان مِنْ منفذ غير معتاد، وهذه الأوصاف متحققة في السعوط، بل هو أقرب شيء إلى الصورة الواردة في حديث لقيط بن صبرة، فحديث لقيط بن صبرة، هو في المبالغة في الاستنشاق، وهو حاصلٌ في منفذ الأنف، والسعوط، كذلك.

يبقى القول: إن هذه الطريقة في الاستدلال منتظمة مع قول الجمهور من الحنفية والمالكية والشافعية بالفطر بالمبالغة في الاستنشاق.

لكنها لا تتفق: مع مذهب الحنابلة الذين لا يوقعون الفطر بالمبالغة في الاستنشاق.

ولهذا نطرح هذا السؤال عليهم: كيف صار السعوط مفطرًا عندكم، ودليله قائمٌ على حديث المبالغة في الاستنشاق، ووصول الماء من هذه المبالغة لا تفطر عندكم.

هب أن ما ذكرتموه من وقوع الفطر بالسعوط صحيحًا؛ لكن كيف ساغ لكم الاستدلال بحديث لقيط بن صبرة، وصورته لا يقع الفطر بها، وصورة السبب قطعية الدخول.

فإن قول الحنابلة بعدم الفطر بما وصل إلى الجوف من الماء الحاصل من المبالغة في الاستنشاق هو في حقيقته عدم الأخذ بحديث لقيط بن صبرة كدليل على ما يحصل به الإفطار.

ثم إن السؤال نفسه يتتابع على الحنابلة فيما استدلوا به مِنْ حديث لقيط بن صبرة، على جملة من مفطرات الصيام، كالكحل، فكيف يجوز أن يعتبروه دليلًا، وهم لم يعتبروا صورة الدليل.

لا ريب أن مأخذ الحنابلة في الفطر بالسعوط قويٌ ومتجه غير أن استدلالهم بحديث لقيط بن صبرة يبقى في موضعٍ قلق، وهم لم يأخذوا بصورة الدليل.

ويحضرني من الجواب لهم ما يلي:

أن الفطر بالسعوط يقع بخلاف المبالغة في الاستنشاق إذا وصل الماء إلى الجوف لسببين اثنين:

1 -أن السعوط فيه قصد إدخال المفطر إلى الجوف، بخلاف المبالغة في الاستنشاق.

2 -أن السعوط يتحقق وصوله إلى الدماغ، بخلاف المبالغة في الاستنشاق فقد يقع وصول الماء إلى الدماغ، وقد لا يقع.

فكأنهم قالوا:

إنما أخذنا من حديث لقيط بن صبرة فهمه وفقهه وعلمنا النكتة فيه فأوجب لنا ذلك إيقاع الفطر بالسعوط دون الصورة الواردة في حديث لقيط بن صبرة.

القول الثاني: أن السعوط ليس بمفطر:

وهو مذهب: إبراهيم النخعي، والحسن بن صالح، وحكي عن مالك، وهو رواية عن أحمد، وقال به داود، ونصره ابن حزم، واختار الولوالجي من الحنفية.

أدلة القول أنه ليس بمفطر:

••أنه ليس في معنى الأكل والشرب، ولا في صورته.

الرأي المختار:

هو القول الأول؛ وهو قول جمهور أهل العلم من الأئمة الأربعة وغيرهم، لقوة ما استدلوا به، فالعين مفطرة بالإجماع، وهي الدواء، والأنف معتبر عند عامة أهل العلم، وهو الأنف، وهو يصل إلى الجوف من منفذ مفتوح، فكل أوصاف الفطر الثلاثة متحققة فيه.

أما أصحاب القول الثاني فهم طائفتان:

الطائفة الأولى: الاتجاه الظاهري، ومثلهم ابن حزم، فهؤلاء لا سبيل لنا عليهم؛ فالسعوط ليس أكلًا ولا شربًا ولا جماعًا، ولا يدخل من منفذ الفم، فهو خارج دائرة المفطرات المنصوصة.

أما الطائفة الثانية: وهم فريق من القياسيين؛ فنسلِّم لهم أنها ليست في صورة الأكل والشرب، ولكن ننازعهم أنها ليست في معناها:

للأمور التي سبق ذكرها، لاسيما أن صورة السعوط، كانت هي الأمر المخوف في حديث لقيط بن صبرة، ففي السعوط العين هي الدواء، وفي حديث لقيط الماء، وكلامهما مفطر، وفي السعوط: المنفذ الأنف، وكذلك الأمر نفسه في حديث لقيط، ثم المحل الذي يصل إليه الماء فإنه يصل إليه الدواء في السعوط.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت