تنبيهات:
نسب ابنُ القاسم في حاشيته على الروض: القولَ بعدم الفطر من السعوط إلى مذهب مالك، وذكر أنها رواية عن أحمد، اختارها الشيخ يعني ابن تيمية، ولا أظنها تصح، وهو قولٌ يتنافى مع قواعدهم في الباب، على ما سبق تفصيله في فقه حديث لقيط بن صبرة، كما أنهم حكوا الوفاق في المسألة ونفوا وقوع الخلاف بينهم.
ولذا فلم يرد عن ابن تيمية ما يفيد نفي التفطير بالسعوط على غرار إنكاره الإفطار بالحقنة والكحل وغيرهما، ولو كان عند ابن تيمية أن السعوط لا يفطر لأشار إلى ذلك بل هو أولى لأنه أشهر، وعليه إطباق الفقهاء الأربعة.
( [1] ) سبق أن الصحيح أن الدماغ ليس بجوف، ولكن نضطر إلى أن نمشي مع هذا الاصطلاح محافظة على تعابير الفقهاء في كلامهم على المسائل.
المسألة الخامسة: قطرة الأنف
فيها قولان لأهل العلم:
الاتجاه الأول: أنها مفطرة:
وهذا الاتجاه يمثله فقهاء المذاهب الأربعة:
وذلك استمرارًا لقولهم بالفطر بالسُّعوط، فالسُّعوط دواء يدخل عن طريق الأنف، وهو منفذٌ معتبرٌ قد جاء النص باعتباره، وهو واصلٌ إلى الجوف، فقطرة الأنف حكمُها حكم السعوط تماما، فتشترك معه في المحددات الثلاثة:
وهذا الاتجاه يمثله أيضًا: ابن تيمية، وذلك لأنه مسلمٌ بدلالة حديث لقيط بن صبرة على حصول الفطر بالماء النافذ من الأنف.
ونصر هذا الاتجاه من المعاصرين: عبد العزيز بن باز، وابن عثيمين، ومحمد المختار السلامي، ومحمد الألفي.
الاتجاه الثاني: أنها لا تفطر:
يمثل هؤلاء بحسب القواعد ابن حزم الظاهري، والولوالجي من الحنفية، والحسن بن صالح، ومن قبلهم أبو طلحة الأنصاري، وكل من لم يوقع الإفطار بالسعوط، أو اشترط أن يكون الإفطار أكلا وشربًا عن طريق الفم.
وقال به من المعاصرين: هيثم الخياط، وعجيل النشمي، وأحمد الخليل، وأرجِّح أن يكون قول الشيخ يوسف القرضاوي، فهو ينازع في دلالة حديث لقيط بن صبرة على إفساد الصوم، كما ينازع في إفساد الصوم بالإبر المغذية؛ فكيف بقطرة الأنف، فهو قولٌ ينتظم مع أصوله في باب المفطرات تمامًا.
يؤيد هذا الاتجاه ما يلي:
الأمر الأول: أن الإفطار إنما يكون بالأكل والشرب، وما كان في معناهما، وقطرة الأنف ليست أكلا ولا شربا، ولا هي في معناهما، وإنما هي دواء لعلاج علة في الأنف.
الأمر الثاني: أنها لا تدخل من المنفذ المعتاد.
الأمر الثالث: أنها لا تدخل إلى الجوف، وإنما إلى غشاء الأنف، وإنما يصل منه قدر قليل جدا إلى الجوف، وهو يشبه القدر الواصل من المضمضة والاستنشاق، وهو قدر معفو عنه بالإجماع، فليكن معفوا عنه هنا.
فالقطرة الواحدة تمثل جزءً من خمسة وسبعين جزءً مما يوجد في الملعقة الصغيرة، وبعبارة أخرى حجم القطرة الواحدة (0.06) من السم3.
الأمر الرابع أن مناط الإفطار حصول التغذية والتقوي، وهو غير حاصل من قطرة الأنف.
ويمتص بعضه من باطن غشاء الأنف، وبهذا يكون القليل الواصل أقل مما يصل من المتبقي من المضمضة المعفو عنه.
الرأي المختار:
الذي يبدو لي والعلم عند الله هو وقوع الإفطار بها، وذلك لما يلي:
الأمر الأول: أن الأنف منفذ اعتبره الشارع في وصول الداخل إلى الجوف.
الأمر الثاني: أن الشارع لم يفرق في الداخل بين أن يكون قليلا أو كثيرًا.
الأمر الثالث: أن قضية التغذية ليست واردة هنا لأن عامة أهل العلم على الإفطار بكل داخل ولو لم يكن مغذيا، ثم إن قطرة الأنف مثل قطرة الماء، فإذا أفطرت هذه أفطرت تلك، بدليل إجماعنا وإجماعهم على أن قطرة الأنف لو ابتلعها من فمه لكان مفطرا.
وبما سبق نعرف:
وبه نعرف:
أن القدر القليل الذي يتسرب من المضمضة والاستنشاق لا أثر له؛ لأنه لا قصد البتة في إدخاله إلى الجوف فضلا عن إيصاله إليه، بينما قطرة الأنف هناك قصدٌ في إدخاله إلى طريق الجوف، وإن لم يكن هناك قصدٌ إلى إيصاله إلى الجوف.
وخلاصة ما سبق:
أن القصد معتبرٌ في إدخاله إلى الجوف، ولا اعتبار له في إيصاله إلى الجوف، ولما كان الأمر كذلك ترتَّب ما يلي:
1 -عدم حصول الفطر بما يتسرب من المضمضة والاستنشاق؛ لأنه لا قصد في إدخاله إلى الجوف أصلًا.
2 -حصول الفطر بقطرة الأنف؛ لاشتماله على قصد إدخاله إلى الجوف؛ وإن لم يكن الغرض إيصاله إليه، وإنما معالجة الداء.
أما القول: