ومما تجدر الإشارة إليه هنا أن الفيلسوف الفقيه ابن رشد الحفيد الذي كان تأثيره في تاريخ الفكر الأوروبي حاسمًا لا جدال فيه، حيث إنه لم ينتصف القرن 13 م حتى كانت جميع كتبه قد ترحمت إلى اللغة اللاتينية فنفذت بذلك إلى أوروبا، ولقيت مقاومة من رجال الإكليروس، وكان من أكبر خصومها توما الأكويني الذي يعتبر مع ذلك أول تلاميذ ابن رشد وأكثرهم تأثرًا به! ثم لم يلبث ابن رشد أن صار صاحب السلطان المطلق في كلية بادو بإيطاليا والمعلم الأكبر الذي لا يقاوم ــــ ابن رشد هذا ــــ قد تأثر هو أيضًا في بعض نواحي تفكيره بابن حزم، كما يظهر ذلك لدارس كتابه في الفقه الإسلامي المقارن (بداية المجتهد) ، وقد أشار لذلك ابن عبد الملك المراكشي أثناء ترجمته له في (الذيل والتكملة) ناقلًا عن محمد بن أبي الحسين بن زرقون.
ابن عربي الحاتمي
وكذلك ابن عربي الحاتمي الباطني الأندلسي، الذي أثارت عقيدة وحدة الوجود عنده موجة من الصراع الفكري العنيف في الأوساط الإسلامية واعتبرها كثير من علماء الكلام والمحدثين والمفسرين والفقهاء، بل ومن الصوفية السنيين، عقيدة متناقضة مع العقيدة الإسلامية تناقضًا مطلقًا، بحيث لا يمكن التوفيق بينهما بأي وجه من الوجوه، وقد سمى أسين بلاسيوس كتابه عن الحاتمي وتفكير (الإسلام المتنصر) El Islam Cristianizado والذي كان إلى جانب عقيدته الباطنية ظاهري المذهب في العبادات أو على مذهب ابن حزم ــــ حسب تعبير دائرة المعارف الإسلامية وقد ذكر هو في إجازة كتبها للملك المظفر غازي سنده في كتب (الإمام أبي محمد علي ابن أحمد بن حزم) وقد اختصر كتاب (المحلى) لابن حزم وسمى اختصاره (المعلى) وهو مخطوط بتونس، وقالوا عنه: إنه من أحسن المختصرات، ويقال: إن (الفتوحات المكية) مشتملة على الفقه الظاهري. وبلغني أن العلامة جمال الدين القاسمي الدمشقي رحمه الله: أفرد ما في الفتوحات من الفقه الظاهري في مؤلف خاص.