وبعد أن ذكر من ألفوا في هذا الموضوع على اختلاف العصور، مشيرًا إلى توسيع المتأخرين فيما اختصر فيه المتقدمون، ذكر أن أبا محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الفارسي أكثر من ذكر استيفاء لأقوال المخالفين، وبسطًا لأدلتهم، لأنه ــــ رحمه الله ــــ أتى بعد حدوث الفتن، وما ابتلى به بعض الناس من المحن، في نصرة قول من لم يؤمر بنصره، ولا يغنى عنه من الله شيئًا، ونسأل الله العافية، وأن أحسن كتبه كتاب (الإيصال) قال: إلا أنه عدم ــــ اليوم ــــ عدمًا لا يتأتى وجوده كاملًا أبدًا، وبعده كتاب (المحلى) في شرح كتاب (المجلى) أيضًا، وكلاهما موجود كثير.
وبعدما ذكر ما أوردناه عنه فيما سبق: ــــ من وقوفه على (تتمة أبي رافع الفضل) والمقارنة بينها وبين كتاب (الإيصال) وتصديه لتكميل (المحلى) من كتاب (الإيصال) امتثالًا لوصية مؤلفه أورد خمسة فصول:
حصر في أولها أسانيد ابن حزم الدائرة المتكررة في (المحلى) إلى ذوي المؤلفات التي يروي عنها وذكر في ثانيها: (أن الإمام أبا محمد قد تكلم فيه أقوام من الجهال) ، ونسبوه إلى أشياء هم أحق بها... وقد أدى بعض (كذا) المتأخرين في سوء الثناء عليه حتى نسب إلى معتقده سوءًا... وربما كذبوا عليه في أشياء نسبوها إليه إفكًا وزورًا، ثم إنهم لعنوه عليها إفكًا منهم وغرورًا، وبهتانًا ومحض تقول، قال: وقد أثنى عليه جلة من أهل الفضل والخير والدين، من أهل المشرق والمغرب... ثم قال:
وبالجملة فإنه إذا تأمل العاقل النبيه، السالم الفطرة من التعصب والهوى، حال الإمام أبي محمد رحمه الله وتأمل أقوال المتكلمين فيه، وجدهم على قسمين:
إما جاهل مفرط (الجهل) ، يسبه ولا يدري ما كان عليه من الشدة في الدين والمحافظة على اتباع السنن والحض على ذلك، فهو يسبه ولا يدري ما يلزمه في دينه من ثلب امرىء مسلم من أكابر أهل العلم قد لحق بربه.