الصفحة 13 من 206

كما نلاحظ أن جل أو جميع وزراء الشؤون الإسلامية والثقافة في فترة الاستعمار كانوا من أتباع المدرستين الرابعة والخامسة، مما يدل على أن إرادة سياسية كانت خلف انتشارهما وترسيخهما لدى الطبقة المثقفة، الأمر الذي يشير بوضوح إلى سياسة المستعمر نحو نفوذ الفقهاء والقرويين داخل المجتمع المغربي ومحاولاته الجدية من أجل تقليل ذلك وإضعاف اللحمة بين العالم والفرد، ومن ذلك إحداث بلبلة في الهوية والعقيدة لدى المواطن تعمل على ضعف المرجعية، وتمايز الأهداف.

بين يدي الكتاب:

في هذا الجو، وفي تلك البيئة كتبت هذه المقالات، وفي إطار النهضة الفكرية والفقهية التي كان يراد لها أن تزدهر وتتنامى، لولا انقطاع العمل بالشريعة الإسلامية وإحلال القانون الوضعي محلها. ونظرا لأهميتها من الناحية البحثية والفكرية فقد ارتأيت جمعها وترتيبها وإعادة نشرها، إذ تعد لبنة مهمة في الثقافة المغربية بالخصوص والثقافة الإسلامية في العموم. كما آثرت وضعها تحت عنوان:"الاجتهاد والمجتهدون بالمغرب والأندلس".

فقد كان مؤلف هذه المقالات الإمام أبو المزايا محمد إبراهيم بن أحمد الكتاني أحد رواد الفكر الإسلامي في المغرب، وأحد دهاقنة إحياء التراث الذين كانت لهم يد بيضاء على الموروث الثقافي الإسلامي عموما، والمغربي خصوصا، وكان على رأس رواد المدرسة السلفية الوطنية، تميز عن أصحابها بالاستقامة الدينية، والزخم المعرفي، والاستماتة في الدفاع عن الإسلام، والغيرة على الشريعة الإسلامية، والتوفيق بين الفكر الإصلاحي المشرقي والنصوص الشرعية، بحيث يعد - إلى حد كبير - كمحمد رشيد رضا في المشرق، متميزا عنه بالجهاد بالنفس ضد المستعمر، والسمو الديني والأخلاقي، الأمر الذي حتمته عليه بيئته الدينية الكتانية العريقة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت