فهرس الكتاب
ولو أنه عندما رآه فعل أيضًا من إظهاره الاستنامة ووضع السلاح والإقبال إلى جهة ذلك الحربي مثل ما فعل الأول، إلا أنه فقط يظهر أنه غافل عن الحربي ومعرض عن رؤيته بحيث لا يستشعر الحربي أنه رآه فقصده مسالمًا، لكن يوهم أنه ما شعر بمكانه، وأن فعله ذلك فعل المستريح من حالة حمل السلاح إذا أمن في موضع، ونحو ذلك، حتى اطمأن الحربي لما توهم من غفلة عنه. لا لموادعة استشعر منه، لكان هذا جائزًا، وهو تورية ومكيدة. لا تتعلق بها خيانة ولا للأمان حرمة، (ظ 65 ــــ 66) .
وهنا تواجه المؤلف قضية قتل كعب بن الأشرف، وظاهرها جواز قتل من اطمأن إليه بعد إظهار المسالمة والمؤالفة.
ولأهل العلم في ذلك أقوال: منها أن قتل كعب بن الأشرف قد كان وجب بما آذى الله ورسوله وجوب الحدود التي لا تندفع بالتأمين بل يجب إقامتها بكل سبيل، ويروى نحو هذا أو بعضه عن الطبري، وقيل إنه نقض عهد النبي (ص) وهجاه وسبه وكان عاهده ألا يعين عليه أحدًا، فجاء مع أهل الحرب معينًا عليه فوجب أن يغتال كالحكم فيمن نقض وقاتل، وإليه ذهب المازري وقال: وقد أشكل قتله على هذه الصفة على بعضهم ولم يعرف هذا الوجه.
ثم عقب على ذلك قائلًا: ويحتمل عندي أن يقال أنه ــــ مع ذلك ــــ أمر خاص، وحكم الله تعالى عدل أذن فيه تعالى لرسوله (ص) ، فهو خاص لا يتعدى إلى غيره، ومما يدل على هذا المذهب ما وقع في الحديث من قوله: إيذن لي فللأقل، قال: قل، فأتاه فقال: إن هذا الرجل قد أراد صدقة وقد عنانا، إلى آخر قوله، وهذا قول له ظاهر الكفر ولا يحل لمسلم التلفظ به ولا الخديعة في الحرب بمثله إلا أن يأذن الله لأحد بعينه في شيء بعينه كما أذن لهذا على لسان رسول الله (ص) ، فيكون خاصًا ليس مما يتعدى بحال...