فهرس الكتاب
133 ــــ وأذكر بهذه المناسبة أنه زارني مرة أحد الحُزميين، وأثناء المذاكرة وجه إليَّ سؤالًا إنكاريًا بأنه يلاحظ علي أني لا ألتزم بجميع آراء ابن حزم. فأجبته بأن هذه ليست مسألة مطروحة بل المسألة المطروحة على المسلمين اليوم هي إحلال قوانين إسلامية مكان القوانين الوضعية الأجنبية التي فرضها الاستعمار على الأُمم الإسلامية، بحيث تكون هذه القوانين محققة لمصالح المسلمين المستجدة، وهم يستطيعون أن يحققوا هذا الهدف الإسلامي الملح والمستعجل، عن طريق الاستفادة من اجتهادات الفهاء المسلمين الأقدمين، من جهة، بما فيهم ابن حزم نفسه أو من اجتهادات جديدة لمواجهة الحالات التي جدت اليوم في الدنيا ولم تكن معروفة من قبل، في نطاق النصوص والقواعد الشرعية الخالدة.
134 ــــ أي أننا اليوم في حاجة إلى تطبيق منهج الاجتهاد الشرعي الذي قننه الشافعي والشاطبي ومارسه ابن تيمية وابن قيم الجوزية وأمثالهما ودعا إلى إحيائه عشرات المفكرين المسلمين المحدثين. وهو اجتهاد مضبوط بالقواعد المحددة، وفي نفس الوقت متفتح على مختلف التجارب الاجتهادية السابقة، وقابل في نطاق المستقبلية الاجتهادية، لإضافة تجارب جديدة لا نهاية لها. وتلك هي، بدون استثناء، أعظم معجزة خالدة للقرآن العظيم، الذي تضمنت خمسمائة آية منه أحكام كل ما يجد في الدنيا إلى آخر الدهر من حوادث ومستجدات، والتي أوجب الله على المجتهدين المسلمين أن يستنبطوا من القرآن أحكام كل ما يستجد منها في كل زمان.
وتلك هي الضرورة الشرعية الحتمية المستعجلة لإحياء الاجتهاد الذي تطالب به توصية «ندوة الأكاديمية» .
135 ــــ كيف نحيي الاجتهاد؟
والآن: كيف نحيي اجتهادًا انقطع منذ قرون؟ ولعلنا بعد هذه الجولة الطويلة القصيرة في نفس الوقت، في علم الاجتهاد وآفاقه وميادينه وشروطه ومناهجه، نستطيع أن نرسم بوضوح معالم محددة للعمل على السير بخطى ثابتة لإحيائه من جديد بعدما حنَّطناه قرونًا طويلة.