والاعتبار الآخر انهم رأوا اعجاز القرآن بصورة واقعية أكثر مما حدث مع المعلقات السبع وغيرها ، ذلك عندما رأوه يتجسد في اسلام كثير منهم ، عندما سمعوه ، فاهتزت له قلوبهم ، واخذتهم روعته وسحر بيانه ، فانصاعوا الى الاسلام طائعين ، رأوا ذلك في اسلام عمر بن الخطاب ، والطفيل بن عمرو الدوسي ، وأبي ذر الغفاري ، وغيرهم ، ورأوا أكثر من ذلك أثرا لاعجاز القرآن على وجه (الوليد بن المغيرة) الذي لم يؤمن بالقرآن ، الا انه لما سمعه تغير وجهه ، ونطق لسانه بما حفظه عنه التاريخ ووعاه فقال: (ان لقوله لحلاوة ، وان أصله لعذق ، وان فرعه لجناة ، وما أنتم بقائلين من هذا شيئًا إلا عرف انه باطل) (5) ، كان الصحابة يرون ذلك وغيره ، فيغنيهم عن التأليف والتصنيف في بيان اعجاز القرآن .
فلما توالت الازمان وظهر من ينكر إعجاز القرآن تصدى له علماء المسلمين بالتنصيف والتأليف ، ودحض حججه بالدليل والبرهان ، فتناولوا اعجاز القرآن من شتى وجوهه ، فمنهم من قال: ان اعجازه في نظمه وبلاغته ، ومنهم من قال: ان اعجازه في صرف العرب عنه ، وقد رد العلماء على ذلك ، ومنهم من قال: ان اعجازه في أثره في النفوس ، وفي روعته التي تلحق القلوب ، وغير ذلك من الوجوه . وهذا الوجه الاخير جعله ابو سليمان حمد الخطابي قائمًا بذاته ، وبين أصوله التي ترتبط بالقرآن ، وبما رواه الصحابة مما ذكرنا طرفا منه آنفا . وظل هذا الوجه يذكره العلماء بين وجوه الاعجاز بصور مختصرة ، الا انهم ينصون دائمًا على أهميته ، حتى عصرنا الحديث ، عندما صنف الدكتور عبد الكريم الخطيب ، والشيخ محمد الغزالي ، فرأيا ان هذا الوجه كان ولا يزال أهم وجوه الاعجاز على الاطلاق ، بيد أنه لم ينل حظه من البحث والدرس.