يجب ألا تعامل مثل اللغات الميتة المقطوعة عن سياق حالها )) [1] .
إن معنى الكلمة يتعدل تبعًا لتعدد السياقات التي تقع فيها اللغة، فتكون الكلمة فصيحة بملاءمتها لجارتها وتعلقها بأخواتها وارتباطها بهم، ووقوعها في موقعها التي لا ترضى به بديلًا، ويحدث من ارتباطها وتعلقها بجاراتها صورة تؤدي دورا يزيد المعنى وضوحًا؛ [2] لأن (( السياق هو الذي يفرض قيمة واحدة بعينها على الكلمة بالرغم من المعاني المتنوعة التي في وسعها أن تدلّ عليها .. والسياق أيضًا هو الذي يخلق لها قيمة حضورية ) ) [3] .
وعلي هذا فدراسة معاني الكلمات تحتاج إلى تحليل للسياقات والمواقف المختلفة التي ترد فيها الكلمة، وبهذا فإن السياق هو الذي يحدد معنى الكلمة، فالسياق إذن هو: (( النظم اللفظي للكلمة وموقعها من ذلك النظم ) ) [4] .
ولقد كانت عناية الأصوليين بالسياق عناية كبيرة، إذ نجدهم يستندون إليه في تحديد الكثير من دلالات الألفاظ، ولا سيما في النصوص القرآنية، فهو الذي يزيل الإبهام عن المجمل ويوضح تخصيص العام، ويقييد المطلق، وهو الذي يحدد الدلالة المقصودة عند تنوع دلالات الألفاظ وهو من أعظم القرائن الدالة على مراد المتكلم. [5]
ولعل أول من نصّ على السياق وأهميته في تحديد المعنى هو الإمام الشافعي (رض) فقد أشار إلى السياق بقوله: (( وعامًا ظاهرًا يراد به العام ويدخله الخاص، فيستدلّ على هذا ببعض ما خوطب به فيه، وعامًا ظاهرًا يراد به الخاصّ، وظاهرًا يعرف من سياقه إنه يراد به غير ظاهره، فكل هذا موجود علمه في أول الكلام أو وسطه أو آخره ) ) [6] وإنّ اختلاف الألفاظ بحيث تغير تلك الأغراض وتغير النظوم
(1) . علم الدلالة (( بالمر ) ):61.
(2) . ينظر: من بلاغة النظم العربي: 1/ 20.
(3) . اللغة (فندريس) : 231.
(4) . دور الكلمة في اللغة: 55.
(5) . ينظر الظواهر الدلالية في تفسير أضواء البيان: 85.
(6) . الرسالة: 52.