وضربُ إبرة المدفع للكبسولة قد كان سببًا وسيطًا لتفجيرها وإطلاق الشرارة منها، حتى يشتعل بسببها البارود، فهو سبب غير حقيقي.
والإصبع التي حركت زناد المدفع قد كانت سببًا وسيطًا لضرب الإبرة على الكبسولة، فهي سبب غير حقيقي.
أما إرادة الرجل الذي حرَّك إصبعه، وهو حرٌ مختار لم يكرهه أحد، قاصدًا إطلاق الرصاصة، وإصابةَ الهدف الذي أصابته، وقتلَ من قتلته الرصاصة، فهي السبب الحقيقي الذي ينتهي الفكر عنده، فلا يسأل عن سبب آخر وراءه.
نعم. قد يسأل عن غاية الرجل القاتل من توجيه إرادته هذه، وعن هدفه، وعن مصلحته من ذلك العمل، بيد أنه لا يسأل عن سبب حقيقي وراء الإرادة المدركة المختارة، التي كانت هي السبب في توجيه الحركة لأول حلقة من حلقات سلسلة الأسباب، التي هي في حقيقتها وسائل وأسباب وسيطة غير حقيقية.
ربما تحدُث بعض الحوادث على سبيل المصادفة، في حدود مُدرَكاتِنا الظاهرة، أو يفعلها فاعل دون إرادة وقصد، ولكن يستحيل أن تتكرر على نظام واحد، وأن تبرز فيها دائمًا مع التكرار آثار القصد، ثم تكون مع ذلك قد حدثت على سبيل المصادفة. هاتان قضيتان متنافرتان لا تجتمعان.
وهنا نلاحظ أن كل ما تكتشفه العلوم من أسباب للظواهر الكونية الحادثة، هي في حقيقة أمرها وسائل، أو أسباب وسيطة، أو حلقات مقترنة متتابع توهم أنها أسباب، وليست بأسباب حقيقية.
وحين نوافق على تسميتها أسبابًا وعللًا، فإنما نُسمّيها بذلك تسمية مجازيّة لا حقيقية، وهو نظير قولنا: إن الرصاصة التي نفذت إلى مقتل القتيل هي التي قتلته، مع أن القتيل إنما قتله ذو الإرادة الذي أطلق عليه الرصاصة ليقتله، فكانت الرصاصة بكل شروطها وسيلة، أو سببًا وسيطًا استخدمه القاتل الحقيقي.