الصفحة 20 من 87

وطرق الأبواب الأخرى (الهجرة، العزلة، كتمان الإيمان) هي الوسيلة الكفيلة بالتوسعة على الناس ورفع المعاناة عنهم، والخروج من هذا المأزق المتضايق، أما الاستمرار في"الصدامات"والإصرار على محاولة إسقاط الحكومات المرتدة، ومناطحة الدول المستكبرة المحتلة، والاجتهاد في تحريض الناس على القتال، فكل ذلك نتيجته ما جربتم وذقتم ورأيتم .. سجونٌ وقبورٌ ومطاردةٌ وتشريدٌ وزيادة تسلط، إذًا يا أيها المجاهدون كفوا أيديكم لتكف"السلطات المختصة"أيديها، وإن استمررتم وأصررتم فلا تلوموا إلا أنفسكم، فعلى أهلها براقشُ تجني!

وأنا أنقل كلامًا يليق بالمقام من كتاب العمدة في إعداد العدة لكاتب الوثيقة جاء فيه:[قال صلى الله عليه وسلم: «يُوشِكُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمُ الأُمَمُ مِنْ كُلِّ أُفُقٍ كَمَا تَدَاعَى الأَكَلَةُ عَلَى قَصْعَتِهَا» قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمِنْ قِلَّةٍ بِنَا يَوْمَئِذٍ قَالَ: «أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ تُنزعُ الْمَهَابَةُ مِنْ قُلُوبِ عَدُوِّكُمْ وَيُجْعَل فِي قُلُوبِكُمُ الْوَهْنَ» قَالُوا وَمَا الْوَهَنُ؟ قَالَ: «حُبُّ الْحَيَاةِ وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ» ، وقال صلى الله عليه وسلم: «إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ وَتَرَكْتُمُ الْجِهَادَ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلاًّ لا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ» .

والحديثان بمعنى واحد، وهما ـ ولاشك ـ يصفان حال المسلمين اليوم، أحبوا الدنيا وكرهوا الموت وتركوا الجهاد، فسَلَّط الله عليهم الأمم الكافرة تسومهم الذل والهوان وهذه عقوبة قدرية واقعة لا محالة بتاركي الجهاد، كما قال الحق جل وعلا: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنْ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ إِلَّا تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} . فالعذاب الأليم في الآية، منه الذل المذكور في حديث ابن عمر، ومنه تداعي الأمم علينا المذكور في حديث ثوبان. والخَلاَص من هذا يكون كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: «لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم» وهذا يكون بالعودة إلى الجهاد المذكور في أول الحديث، وهذا يتفق مع قول الله تعالى: {وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} ، وقول الله تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} ]أهـ

وكل هذه الأهداف التي ذكرتها تصب في اتجاه واحد وترمي إلى غاية محددة ألا وهي محاصرة المجاهدين خارجيًا وتفكيكهم داخليًا، وبث الفُرقة والاختلاف فيما بينهم، وتوهية العزيمة في قلوبهم، وتوهين الثقة المتينة التي تربطهم ببعضهم، ومحاصرة الآمال وبث روح الإحباط والشعور بالعجز، وتمهيد الأرض لتوطيد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت