الصفحة 27 من 87

وقد أخبرنا الله تعالى أن كل مصيبة حلت بنا سواء في أنفسنا أو أهلينا أو أموالنا فمرجعها إلى المعاصي وما كسبت الأيدي كما قال سبحانه: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} [الشورى/30] ،

قال الإمام ابن جرير -رحمه الله: [وما يصيبكم أيها الناس من مصيبة في الدنيا في أنفسكم وأهليكم وأموالكم (فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ) يقول: فإنما يصيبكم ذلك عقوبة من الله لكم بما اجترمتم من الآثام فيما بينكم وبين ربكم ويعفو لكم ربكم عن كثير من إجرامكم، فلا يعاقبكم بها] (تفسير الطبري: 21/ 538) .

وهذه كما أنها قضية عامة، وأصل كلي دلت عليه أدلة أخرى، إلا أن الجهاد بخصوصه قد جاءت آيات وأحاديث تدل على أن من المصائب ما يترتب على تركه مباشرة كما في الآيات التي ذكرتها أعلاه، فمن الخطأ إذًا حينما نقرر هذه المسألة وندعوا الناس إلى التوبة والاستغفار وترك المعاصي والإقلاع عن الذنوب من الخطأ أن نحصر أفهامهم في خطايا محددة ونصرفهم إليها ونحول بينهم وبين تعريفهم بالسبب الخاص والمباشر في بعض ما نزل عليهم من العقاب والمصائب، والذي لا يمكن التوصل إلى رفعها وإزالتها أو تخفيفها إلا بالتوبة منه، كما قال سبحانه وتعالى: {إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [التوبة/39]

ولا يعني هذا أننا نهون من شأن باقي المعاصي والموبقات، فإننا نعلم أن شريعة الله يرتبط بعضها ببعض، وهي كالجسد الواحد يزداد قوة باكتماله ويضعف بذهاب شيء من أعضائه، وأنه بقدر حسن علاقتنا بالله عز وجل وبحسب استجابتنا لأمره وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم -ومنه الجهاد - يتنزل علينا نصر الله، ويدافع عنا، كما قال سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} [محمد/7] ،

وقال سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ} [الحج/38] ، ولعله من الحكمة -والله تعالى أعلم- جاء الإذن بالقتال عقب هذه الآية حتى لا يفهم بعض الناس أن مدافعة الله - وهو القوي العزيز- عن المؤمنين يُسقط عنهم تبعة الجهاد ويعفيهم من تكاليفه ومعاناته، فأذن الله سبحانه لهم بالقتال ليأخذوا له أهبته، ويحصلوا أسبابه، ويدافعوا به عدوهم، ويردوا عاديته مع علمهم أن الله ناصرهم ومؤيدهم ومدافعٌ عنهم، ففي الآيتين جمعٌ بين تمام التوكل وكمال الثقة بالله

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت