توفية البيعة من الله فيُنَال بذلك النصر والحفظ، وإما تخاذلٌ وشحٌ وجبنٌ فيحل العذاب ويتنزل الذل وتعم النقمة كما قال الله تعالى: {قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَاتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} [التوبة/24]
قال العلامة الخازن في تفسير هذه الآية: [فبين الله سبحانه وتعالى أنه يجب تحمل جميع المضار في الدنيا ليبقى الدين سليمًا وأخبر أنه كانت رعاية هذه المصالح الدنيوية عندكم أولى من طاعة الله وطاعة رسوله ومن المجاهدة في سبيل الله"فتربصوا"أي فانتظروا"حتى يأتي الله بأمره"يعني بقضائه وهذا أمر تهديد وتخويف ... وفي هذا دليل على أنه إذا وقع تعارض بين مصالح الدين ومصالح الدنيا وجب على المسلمين ترجيح مصالح الدين على مصالح الدنيا] (لباب التأويل في معاني التنزيل: 3/ 242)
ومثل من يصف الداء والدواء للأمة متجاوزا الجهاد أو مقللا من شأنه كمثل رجلٍ عطشان يلفحه حر الشمس وما بينه وبين الماء إلا خطوات يخطوها مع شيء من الجهد ثم يذهب عنه ما يجد فيقول له قائل -وهو يرى الماء بعيني رأسه -: كل هذا بسبب بقائك في الشمس وتركك للاستظلال لتتقي وهجها وارتمائك فوق هذه الأرض اللاحبة، فما يذكره هذا (الناصح) كله صحيح من جهة أنه أحد أسباب العطش وازدياده، ولكن هل يقول قائل إنه إن اتقى الشمس وتزحزح إلى أشد الأماكن برودة، وافترش الحرير هل يقول قائل إنه بذلك سيُزال عطشه وتبرد كبده، أم أن كل عاقل يرى إنسانًا في هذه الحال يرشده إلى الماء ويدله على الطريق الموصل ليشرب منه حتى يرتوي ثم يزيده نصحًا بأن يبتعد عن أسباب العطش الأخرى.
هذا هو حال الأمة مع الجهاد، وهو السبيل الوحيد لإنقاذها من وضعها المزري، ومهما بذلنا من جهد واستفرغنا من وسع في غير هذا الطريق فإننا بيقين سنبقى بعيدين كل البعد عن الوصول إلى الغاية المرجوة وعلى رأسها إقامة الدين والتمكين لشريعة رب العالمين وتحطيم كل الآلهة -بشرية كانت أم رمزية- التي تحول بيننا وبين عبادة ربنا كما يحب ويرضى.