إن المفهوم الشامل لإقامة الدين ليس مقصورًا فقط على إقامة دولة للإسلام والتمكين له، وإن كان هذا تمام الإقامة وهو الغاية القصوى التي يرنو إليها كل مسلم مخلصٍ، بل كل سعي وجهد وعمل يؤدي إلى هذا المقصد هو جزء من إقامة الدين، وهو داخل في حقيقته، بل الاجتهاد في إحياء أي عمل من أعمال الشرع التي أمر بها وأدائها على الوجه الذي يحبه الله ويرضاه يعد داخلًا في مفهوم إقامة الدين، وقوة دخوله في المعنى بحسب منزلته في الشرع، ولهذا كان أعظمها وأكملها توحيد الله عز وجل الذي جاءت به ودعت إليه الرسل كافة، كما قال الله تعالى: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ} [الشورى/13]
قال العلامة السعدي -رحمه الله-:[ (أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ) أي: أمركم أن تقيموا جميع شرائع الدين أصوله وفروعه، تقيمونه بأنفسكم، وتجتهدون في إقامته على غيركم، وتعاونون على البر والتقوى ولا تعاونون على الإثم والعدوان.
(وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ) أي: ليحصل منكم الاتفاق على أصول الدين وفروعه، واحرصوا على أن لا تفرقكم المسائل وتحزبكم أحزابا، وتكونون شيعا يعادي بعضكم بعضا مع اتفاقكم على أصل دينكم.
ومن أنواع الاجتماع على الدين وعدم التفرق فيه، ما أمر به الشارع من الاجتماعات العامة، كاجتماع الحج والأعياد، والجمع والصلوات الخمس والجهاد، وغير ذلك من العبادات التي لا تتم ولا تكمل إلا بالاجتماع لها وعدم التفرق.] (تفسير السعدي: 1/ 754) .
قال المرشد:[والمخالفة درجات: فمن قدم مُراد نفسه على مراد ربه في أشياء يسيرة، فهذا مرتكب الصغائر (وهي العصيان) .
ومن قدم مُراد نفسه على مراد ربه في أشياء كبيرة، فهذا مرتكب الكبائر (وهي الفسوق) .
-ومن قدم مُراد نفسه على مراد ربه في أشياء عظيمة، فهذا قد وقع في (الكفر) ]