الدول الكبرى حينما تتناطح بعضها مع بعض، وكل ذلك جرى بتقدير الله وتدبيره، وتوفيقه وتسديده {لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ} [الأنفال/8]
السابع: انفضاح المنافقين والذين في قلوبهم مرض، وظهورهم بصفاتهم المختلفة التي ذكرها القرآن، وانكشف قناع الشك عن رؤوس الزنادقة الذين كانوا ينسجون حبائلهم بخفية ومكر للإيقاع بأمتنا، وظهر أيضًا السماعون لهؤلاء، الذين هزتهم الشبهات، وضعضعتهم الأراجيف، وبان من بكى ممن تباكى، وهذا هو دأب الجهاد في كل حين، فلا تكاد تظهر الأعذار، وتبرز الأكدار، وتنجلي الأوضار، إلا حينما ترفع رايته، وينادي داعيه، وتشتد وطأته، وتعظم زلزلته، فعندها ستلجأ كل طائفة لجنسها وتلوذ بوصفها، فتسمع مَن يقول ما قاله قدماؤهم وإن بلحن جديد، وكساء عصري: {وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا * وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَاذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا} [الأحزاب/12، 13] ، وستجد الناصحين الذين لا يكتفون بقعودهم بل يجتهدون لتثبيط أولي الهمم من غيرهم فيقولون لهم: {لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ} [التوبة/81] ، وتكاد ترى ما حكاه لنا القرآن عيانًا بيانًا لا يخفى منه شيء: {أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا} [الأحزاب/19] ، وقد ظهرت هذه الأصناف في أمتنا، وعرف الناس أكثرها، وأدركوا خطرها، ونعوذ بالله من حالهم وشرهم وضلالهم وإضلالهم.
فكل هذه الأمور وغيرها كثير كثير، وهي من قوام الدين وإقامته، ما كانت لتقع وتحصل وبهذه السرعة وعلى هذا المستوى، لولا السعي والاجتهاد لإحياء فريضة الجهاد، ولو أن المسلمين أخذوا"بضوابط"وثيقة الترشيد، و"التزموا"بما فيها، وقيدوا أنفسهم بها، وبقوا يبحثون عن المخارج والأغيار التي خطتها لهم كبديل عن الجهاد، وارتضوا بثقافة الاستضعاف بمفهومه الجديد، لكانت محنة الإسلام فوق ما يتصوره عقل، أو يدركه خيال، ولما كانت لهذه الوثيقة حاجة، ولما سعى الطغاة وأجهزة أمنهم لتنشيطها، والحرص على إخراجها، وتوسيع دائرة نشرها، لأنهم إذ ذاك يعيشون آمنين سالمين لا يوجد ما يكدر عليهم عيشهم أو يهدد سلطانهم فما الحاجة إذًا إلى المسكنات والمهدئات بل والمخدِّرات من نحو"وثيقة الترشيد"؟!