ويقابله"الجهل"الذي ينتفي معه، وهذا كله ما لم يكن هذا الجهل ناتجًا عن تقصير مع إمكان إزالته، ومن هذا الباب حرُم قتال الكفار الذين لم تبلغهم دعوة الإسلام التي تمثل"خطاب الشرع"، لأن الحجة لم تقم عليهم، ومجرد بلوغ الدعوة كافٍ في استباحة دمائهم وأموالهم، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: [والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة لا يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار] رواه أحمد، ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه.
وفي مقام الجهاد يكفي أن يعلم المسلم أن الله فرض عليه عبادة الجهاد ليكون بعد ذلك مطالبًا بها، وبما يؤدي إلى أدائها، وملومًا بتركها، ومن آثار هذا التكليف في حق المجاهد انقسام العلم المتعلق به في أمور الجهاد إلى علمٍ عيني وعلمٍ كفائي، ولا تعلق لهذا العلم بأصل التكليف بعبادة الجهاد، وهذا أمرٌ واضحٌ والحمد لله.
ومن هنا فإن القفزة التي قفزها كاتب أو كتاب"وثيقة الترشيد"بعد ذلك بقولهم: [أما العلم بالشرع: فهو الطريق إلى معرفة ما يريده الله منا، ولا سبيل إلى ذلك إلا بتعلم علم الشريعة ... فلا يجوز أن يفعل شيئا حتى يعلم حكمه في شرع الله، كما قال سبحانه «فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون» ، وفي الحديث الصحيح قال النبي صلى الله عليه وسلم: «طلب العلم فريضة على كل مسلم» ] اهـ، هذا القفزة من العلم الذي يحصل به"التكليف"إلى العلم التفصيلي للشريعة وتعلم أحكامها يوهم أن الإنسان المسلم لا يكون"مكلفًا"بالجهاد ولا مؤاخذًا بتركه إلا بعد علمه"التفصيلي"بأحكامه، مما يشعر أن ذلك العلم التفصيلي الواجب عليه هو الذي يتوقف عليه حصول التكليف، وهذا ضربٌ من التلبيس، وهي في الجملة نفس الشبهة التي أثيرت قديمًا وردها الشيخ عبد القادر نفسه في كتابه"العمدة"والتي تقول إنه"لا جهاد إلا بعد طلب العلم"، مع أن هذه العبارة فيها حقٌ وباطلٌ، ولم يقل أحدٌ من السلف ولا من العلماء إن فرضية الجهاد وحصول التكليف به متوقفٌ على تحصيل العلم بتفاصيل أداء هذه العبادة من جميع المجاهدين بل كان النبي صلى الله عليه وسلم يبايع من يريد الإسلام على الصدقة والجهاد، وكم من الصحابة الذين أسلموا وجاهدوا إثر ذلك مباشرة بل بعضهم قتل بعدها بوقت يسير ولم يكلفهم النبي صلى الله عليه وسلم تعلم أحكام الجهاد مفصلةً قبل ذلك و [ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط فقضاء الله أحق وشرط الله أوثق] متفق عليه عن عائشة رضي الله عنها.