الصفحة 53 من 87

ومما يؤكد وقوع الإيهام أو إرادته في هذه الفقرة والقفزة، هو تسلسل الكلام عن العلم الذي يحصل به التكليف، إلى كيفية طلب العلم، إلى إيجابه في مقام الجهاد وذلك بقوله: [ويترتب على وجوب طلب العلم في مقام الجهاد الذي هو موضوع هذه الوثيقة أمور منها ... ألخ]

فإذا ربط القارئ حلقات هذه السلسلة بعضها ببعض فإنه يخرج بنتيجة أن شرط التكليف هو العلم، ثم يفهم من خلال بقية العبارات أن المقصود بالعلم الذي هو شرط التكليف هو ما يجب عليه تعلمه من تفاصيل الأحكام، فرجع الأمر إلى أن الإنسان غير"مكلف"بالجهاد وعليه فهو غير مؤاخذ بتركه إلا بعد طلبه للعلم، ومعلومٌ أن العلماء قد ذكروا شروط وجوب الجهاد وقد امتلأت بها كتب الفقهاء ولم نر -فيما اطلعنا- عالمًا واحدًا"مأمونًا"اشترط هذا الشرط، فهذا الإمام ابن قدامة رحمه الله يقول: [ويشترط لوجوب الجهاد سبعة شروط؛ الإسلام، والبلوغ، والعقل، والحرية، والذكورية، والسلامة من الضرر، ووجود النفقة.] (المغني:20/ 412) .

وقد قال الشيخ عبد القادر نفسه: [مما سبق تعلم أن العلم ليس من شروط وجوب الجهاد، حتى لو قَصَّر أحد في طلب العلم الواجب المتعين عليه فلا يكون تقصيره هذا مانعا له من الجهاد ... وكما يرى كل مبتغ للحق غير مكابر ولا معاند أن العلم الشرعي ليس ضمن الشروط المذكورة أعلاه، وهذا ليس قول ابن قدامة وحده، بل لم أعثر على من اشترط هذا في أي من كتب الفقه فيما اطلعت.] (العمدة: 385) .

وأؤكد هنا على أن المقصود ليس التهوين من شأن العلم، ولا محاولة فصله عن الجهاد، ولا تزهيد المجاهدين فيه، ولا الدعوة إلى الجهاد على عماية وجهل وتخبط، وليست هذه بفكرة لأحدٍ من المجاهدين إطلاقًا لا من الأمراء ولا الجنود وإن نسب ذلك لهم زورًا وبهتانًا، فعند الله تجتمع الخصوم.

ولقد افتتحت هذه الفقرة ببيان علاقة العلم بالجهاد، والعلماء بالمجاهدين، لدفع هذا التوهم، فالواجب إذًا هو وضع كل حكم موضعه الصحيح، وألا نحدث في دين الله ما ليس منه كاشتراط ما ليس بشرط، لا سيما إذا علمنا أن مثل هذا الشرط مؤداه قطعًا إلى تعطيل الجهاد وإماتة فريضته، ووضع العقبات أمام إحيائه، والإبقاء على"السلطات الحاكمة"حاكمة والله المستعان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت