الصفحة 62 من 87

قلت: فإذا كان تعطيل الممالك عن راع يرعاها ووال يتولاها عظيم الأثر في انحلال الأمور واختلالها، فكيف إذا أُسلمت تلك الممالك إلى الكفرة الفجرة، والطغاة الظلمة، وفتحت أبواب المداهمة والاحتلال ليلجها من شاء من يهود ونصارى وملحدين، فيجلبون على ديار الإسلام بخيلهم ورجلهم فلا يبقون للدين أثرًا من عقيدة، أو خلق، أو شريعة، أو حكم، ولا من الدنيا شيئًا من مال أو متاعٍ فيهلكون بطغيانهم الحرث والنسل، ويظهرون فسادهم في البر والبحر والجو أوَ ليس الحال هنا أولى بارتضاء تولية ناقص الأهلية أو حتى معدومها عند عدم غيره لتقليل الفساد والتصدي لأهل البغي والعناد وتأمين البلاد والعباد مع السعي والاجتهاد لتكميله وترشيده ونصحه وتأهيله؟

ومثل ذلك تولية القضاء - ومنصبه في غاية الخطورة- اختلف العلماء فيمن يكون الأولى بالتقديم والتنصيب: العالم الفاسق أم الجاهل الديِّن؟ عند دوران الحكم على تعيين أحدهما، وأكثرهم على تقديم الثاني كما قال شيخ الإسلام -رحمه الله-: [وسئل بعض العلماء: إذا لم يوجد من يولى القضاء؛ إلا عالم فاسق، أو جاهل ديّن؛ فأيهما يقدم؟ فقال: إن كانت الحاجة إلى الدين أكثر لغلبة الفساد، قدم الدين، وإن كانت الحاجة إلى العلم أكثر لخفاء الحكومات قدم العالم، وأكثر العلماء يقدمون ذا الدين] (السياسة الشرعية: 13) .

وقال الإمام ابن القيم -رحمه الله-: [ونظير مثل هذه المسألة إذا لم يجد السلطان من يوليه القضاء إلا قاضيا عاريا من شروط القضاء لم يعطل البلد عن قاض وولى الأمثل] (إعلام الموقعين: 4/ 196) .

فإطلاق القول بأنه [لا يجوز لغير المؤهل أن يقود مثله في عدم الأهلية لخوض صدامات باسم الجهاد] غير صحيح، بل لا بد من التفصيل والتوضيح ووضع الأحكام موضعها ومراعاة أحوالها، خاصة وأن أضرار تسلط الحكام المرتدين وإطلاق أيدي أتباعهم المجرمين ليعيثوا في الأرض فسادًا لا يكاد يعدله شيء من الأضرار والشرور، والواقع خير شاهد على ذلك، والله المستعان.

وقد أطال شيخ الإسلام في بيان هذه المسألة وفصل الكلام تفصيلًا وافيًا نقلته من قبل وأعيده هنا لأهميته فقال -رحمه الله-: [فإن اتفق من يقاتلهم على الوجه الكامل فهو الغاية في رضوان الله وإعزاز كلمته وإقامة دينه، وطاعة رسوله، وإن كان فيهم من

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت