الصفحة 61 من 87

الثاني: أن لا يكون ضرر مَن خرج عليهم غيرُ المؤهل أعظم من ضرره، وهذا داخل ضمن القاعدة العامة التي تنص على أن الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف، ولأن [الشريعة جاءت بتقرير المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، فإذا تعارض مفسدتان إحداهما أكبر من الأخرى فلنا معها حالتان: الأولى: أن نحاول القضاء عليهما جميعًا وهذا هو الواجب عند القدرة عليه؛ لأنه تعطيل للمفاسد، وإذا لم نستطع تعطيلها بالكلية فإننا نحاول تقليلها ولا يكون ذلك إلا بارتكاب المفسدة الصغرى، واجتناب المفسدة الكبرى، وهذا من تقليل المفاسد] (تلقيح الأفهام العلية بشرح القواعد الفقهية: 3/ 17) .

ولهذا فمع أن الولايات في الأصل إنما يقوم عليها شخصٌ واحدٌ، إلا أنه عند الاضطرار وإذا لم يكن هناك كفؤٌ جامعٌ للصفات التي تؤهله للقيام بها فيجوز أن يُضم له من الناس من يُكمل نقصه ويجبر خلله، وهذا خروجٌ عن النسق المعهود في شؤون الإمارات لئلا تضيع المصالح بترقبنا للمؤهل الصالح، كما قال شيخ الإسلام -رحمه الله: [وكذلك في إمارة الحرب، إذا أمر الأمير بمشاورة أهل العلم والدين جمع بين المصلحتين، وهكذا في سائر الولايات إذا لم تتم المصلحة برجل واحد جمع بين عدد؛ فلا بد من ترجيح الأصلح، أو تعدد المولى، إذا لم تقع الكفاية بواحد تام] (السياسة الشرعية: 13) .

وقال إمام الحرمين -رحمه الله-:[ولو فرض إلمامُ مُهمٍ يتعين مبادرته في حكم الدين قبل أن يطأ الكفار طرفا من بلاد الإسلام، ولم نجد بدًا من جر عسكر، وصادفنا فاسقا نقلده الإمارة وعسر انجرار العسكر دون مرموق مطاع، ولم نتمكن من تقي ديِّن وإن بذلنا كنه المستطاع، فقد نضطر إذا استفزتنا داهية يتعين المسارعة إلى دفعها إلى تقليد الفاسق جر العسكر.

ولو فرض فاسقٌ يشرب الخمر أو غيره من الموبقات، وكنا نراه حريصا -مع ما يخامره من الزلات وضروب المخالفات- على الذب عن حوزة الإسلام، مشمرًا في الدين لانتصاب أسباب الصلاح العام العائد إلى الإسلام، وكان ذا كفاية ولم نجد غيره فالظاهر عندي نصبه مع القيام بتقويم أوده على أقصى الإمكان؛ فإن تعطيل الممالك عن راع يرعاها ووال يتولاها عظيم الأثر والموقع في انحلال الأمور وتعطيل الثغور] (غياث الأمم: 277) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت