بالمصالح، ووجوه الكتاب والوزراء والعمال فيما يتعلق بمصالح البلاد وعمارتها.] (تفسير القرطبي: 4/ 250)
وقال ابن عطية -رحمه الله-: [والشورى من قواعد الشريعة وعزائم الأحكام، ومن لا يستشير أهل العلم والدين فعزله واجب، هذا ما لا خلاف فيه] (المحرر الوجيز: 2/ 35) . وإذا كان هذا في الإمام العام فكيف بمن دونه من الأمراء والقادة، وكيف إذا قل علمهم أوانعدمت أهليتهم فلا شك أن مشاورتهم لأهل العلم والدين أوجب وأوكد، مع التأكيد على أنه يجوز في الاضطرار ما لا يجوز في الاختيار، ويُجتَهد في إصلاح الخطأ وتقويم العوج وإكمال النقص بحسب الإمكان، كما قال شيخ الإسلام رحمه الله: [ومع أنه يجوز تولية غير الأهل للضرورة، إذا كان أصلح الموجود فيجب مع ذلك السعي في إصلاح الأحوال، حتى يكمل في الناس ما لا بد لهم منه، من أمور الولايات والإِمارات ونحوها] (السياسة الشرعية: 14) .
بل حتى في الإمامة العظمى -ومحلها من الدين ما عُلِم- عند فقد مرتبة الاجتهاد لم يقل العلماء بإبقاء هذا المنصب شاغرًا تفاديًا لاختلال النظام واضطراب المهام الذي يحصل بانعدام الإمام وارتضوا بقبوله مع نقصه لتحصيل ما يمكن وحفظ ما يستطاع من أمور الدين والدنيا، ومع هذا فليزمه مراجعة العلماء كي لا يشذ عن أحكام الشرع كما قال إمام الحرمين -رحمه الله-:[فقد مضى أن استجماع صفات المجتهدين شرط الإمامة، فلو لم نجد من يتصدى للإمامة في الدين، ولكن صادفنا شهما ذا نجدة وكفاية واستقلال بعظائم الأمور -على ما تقدم وصف الكفاية- فيتعين نصبه في أمور الدين والدنيا، وينفذ أحكامه كما ينفذ الإمام الموصوف بخلال الكمال المرعي في منصب الإمام، وأئمة الدين وراء إرشاده وتسديده، وتبين ما يشكل في الواقعات من أحكام الشرع.
والعلم وإن كان شرطه في منصب الإمامة معقولا ولكن إذا لم نجد عالما فجَمْعُ الناس على كاف، ويستفتي فيما يسنح ويعن له من المشكلات أولى من تركهم سدى متهاوين على الورطات متعرضين للتغالب والتواثب وضروب الآفات] (غياث الأمم276) .
وفي هذا الكتاب الكثير من الصور التي تكاد تكون مطابقة لأحوال الأمة في هذا العصر، والتي ينبغي مراجعتها والتعمق في فهمها ودراستها، ولولا خشية الإطالة لنقلت شيئًا كثيرًا مما يتعلق بهذه المسألة التي نحن بصددها (تولية أو تولي غير الأهل في بعض الحالات) .