الصفحة 65 من 87

فما القول في أقوام بلوا في الذب عن دين الله حشاشات الأرواح، وركبوا نهايات الغرر متجردين لله تعالى في الكفاح، وواصلوا المساء بالصباح، والغدو بالرواح، وركبوا إلى الموت أجنحة الرياح، متشوفين إلى منهل المنايا على هزة وارتياح، حتى وافوا بحرا من جمع الكفار لا ينزفه إدمان الانتزاح، وركنوا للموت وتنادوا: لا براح، وألموا بهم إلمام القدر المتاح، وما وهنوا وما استكانوا وإن عضهم السلاح، وفشى فيهم الجراح، حتى أهب الله رياح النصر من مهابها، ورد شعائر الحق إلى نصابها، وقيض من ألطافه بدائع أسبابها أيثقل هؤلاء على أهل الإسلام بنزر من الحطام وهم القوام والنظام؟!] (غياث الأمم: 254 - 255) .

ولهذا فإننا نقول: إن تغلب الكفار -مرتدين كانوا أم أصليين- على ديار المسلمين يجب أن يوضع على رأس قائمة الفساد الذي يتحتم على أهل الإسلام السعي لإزالته مهما كلفهم من بذل النفوس وإنفاق الأموال وتحمل البلاء، فكلُ جهودهم وطاقاتهم وإمكاناتهم لا بد أن تتوجه إلى هذا الهدف أولًا، بل حتى بالغ الشيخ عبد القادر بن عبد العزيز في هذا الأمر فقال: [كما أننا نرى أن شَغْل المسلمين بأي أمر سوى الجهاد في سبيل الله ـ في هذا الزمان ـ كما تفعله كثير من الجماعات الإسلامية، هو خيانة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، وخيانة لهذا الدين وتضييع له] (العمدة: 355) .

وما يحصل من بعض الأخطاء أو حتى التجاوزات التي تنسب إلى بعض المجاهدين -إن صحت- فإنها لا تذكر بالنسبة لمحنة الإسلام العظمى ونوائبه الكبرى المتمثلة في تسلط أعدائهم الكفرة عليهم وما نتج وينتج عن ذلك من المفاسد التي لا يحصيها إلا الله تعالى، والتي وصلت في هذه الأيام ذروتها، من إقصاء شريعة الإسلام، والتنكيل بأولياء الله، وتربية الأجيال على الإلحاد وإغراقهم في أنواع الفساد، والاستهزاء الصريح المعلن بالله ورسوله وآياته، وفتح أبواب المجون والخلاعة وسوق الناس إليه زرافات ووحدانا، وغير ذلك مما لا يحصيه إلا الله وحده.

إلا أن الناس ولبعد عهدهم بالشرع ودولة الإسلام، ولنشوء أكثرهم وتربيتهم في غيابها، لم يستشعروا فداحة ما هم فيه، ولم يدركون البون الشاسع بين ما يجب أن يكونوا عليه أصالة، وبين ما يعيشونه اليوم مما ألفوه واعتادوه واطمئنوا إليه، ولهذا ترى المستمسكين بالإسلام الحق والداعين إليه غرباء في أوطانهم وبين أقوامهم، وأغرب منهم المجاهدون في سبيل الله، الذين يحاولون جهدهم إحياء هذه الفريضة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت