بِاللّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ النحل106.
الثانية: للذين يريدون أن يجعلوا قضية التراجعات عنوانًا بارزًا قد خُط عليه هاهم إخوانكم فكونوا مثلهم نقول لهؤلاء: يجب التفريق بين الاستفادة من التجارب واستخلاص الدروس منها والاعتبار بأحداثها وبين جعل تلك التجارب حَكَما عدلا وقولا فصلًا عند موارد النزاع ومواطن الاختلاف، فالحكم والفصل ورفع الخلاف إنما هو لكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وبهما فقط توزن أقوال العباد وأعمالهم ويرفع نزاعهم قال الله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَاوِيلًا} النساء59،
ومن هنا فليس صحيحًا بأي وجه من الوجوه أن نجعل تراجعات المتراجعين وتجارب المجربين مهما كانت مرتبتهم حجة شرعية نرجع إليها عند الخلاف، فلا يأتي أحدٌ ويقول لنا: أنتم مازلتم مصرين على طريقتكم ومنهجكم ومستمسكين بأفكاركم وقد تراجع عنها فلان وفلان وهو مَن هو في العلم والسابقة، فنقول نعم هم من أهل العلم والسابقة، ولكن هذا لا يضفي على أقوالهم قدسية تجعلها مسلمة لا مجال فيها للنقد والنقض والاعتراض، فالواجب علينا شرعًا وديانة أن نقيس أقوال كل متراجع بالميزان الشرعي الدقيق الذي لا يظلم فتيلًا، ونضع تلك الأفكار الطارئة على محك الأدلة لنرى مدى قربها أو بعدها عن الحق، وحينها -وحينها فقط- نحكم بتخطئة أو تصويب أية فكرة تصدر من هنا وهناك، أما القبول المطلق، والتسليم الكامل، والتحاكم العشوائي للتجارب والمراجعات، من غير عرض لها على كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم فهذا مدحضة ومزلة لا يسلم معها دين المرء ولا يمكن أن يكون سبيل من طلب الحق وتوخى معرفته واتباعه. أهـ]
وهذا هو عين ما نفعله في مناقشتنا لوثيقة الترشيد، مع اعتقادنا الجازم أنها ما أخرجت ونشرت وحازت هذا الاهتمام من وسائل الإعلام إلا لضرب المجاهدين وتحريف الجهاد والإبقاء على الأنظمة الحاكمة متسلطة على البلاد ومتمتعة بربوبيتها التي تفرضها على العباد، وهذا ما نؤكد عليه ونكرره بين حين وحين في هذه المناقشة حتى لا يغيب عن الأذهان، ولا ينسينا طول المناقشات حقيقة أمرها، فأين ما تحدثه هذه