الوثيقة من تحريف للدين، ونصرة لأعدائه المجرمين، وتثبيت لعروشهم التي بدأت تتصدع بفضل الله ثم بما من الله به على عباده المجاهدين أين هذا من نصح نبي الله يوسف عليه السلام، أو مما قرره ابن تيمية والسرخسي في كتبهما التي ألفوهما في السجن.
فيوسف عليه السلام الذي نصح في سجنه لم يقدم كلمة واحدة تدل على جنوحه إلى حماية وحفظ (دين الملك) الذي كان في سجنه، بل قال ما يصادم ذلك ويعارضه معارضة تامة حينما قال لمن ينصحهم ويرشدهم: {يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ * مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [يوسف/39، 40] .
فدعوة يوسف عليه السلام -وهو في السجن- كانت إلى التوحيد الخالص والدين القيم، لا انتفاع للأرباب واتباعهم بها، ولا تقارب بينه وبينهم فيها، كما قال الإمام ابن جرير -رحمه الله-: [وقوله: (ذلك الدين القيم) ، يقول: هذا الذي دعوتكما إليه من البراءة من عبادة ما سوى الله من الأوثان، وأن تخلصا العبادة لله الواحد القهار، هو الدِّين القويم الذي لا اعوجاج فيه، والحقُّ الذي لا شك فيه] (تفسير الطبري: 16/ 106) .
وقال الأستاذ سيد قطب -رحمه الله-: [لقد رسم يوسف عليه السلام بهذه الكلمات القليلة الناصعة الحاسمة المنيرة كل معالم هذا الدين، وكل مقومات هذه العقيدة؛ كما هز بها كل قوائم الشرك والطاغوت والجاهلية هزًا شديدًا] (في ظلال القرآن: 4/ 311) .
ولم تكن دعوة نبي الله يوسف عليه السلام تحت إشراف"السلطات الحاكمة"ولا بترويجها وتخريجها ودعمها والنفخ فيها، بل كان يناقض مصلحتها، ويعارض رغبتها، فأين الثرى من الثريا؟!
بل حتى حينما جاءت البشائر بإطلاق سراحه أبى أن يخرج إلا وقد علم الجميع أنه بريء من كل تهمة فكان كما قال الله تعالى: {وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ} [يوسف/50]