الصفحة 74 من 87

قال العلامة السعدي -رحمه الله-: [يقول تعالى: (وَقَالَ الْمَلِكُ) لمن عنده (ائْتُونِي بِهِ) أي: بيوسف عليه السلام، بأن يخرجوه من السجن ويحضروه إليه، فلما جاء يوسف الرسول وأمره بالحضور عند الملك، امتنع عن المبادرة إلى الخروج، حتى تتبين براءته التامة، وهذا من صبره وعقله ورأيه التام.] (تفسير السعدي: 1/ 400) .

وعد النبي صلى الله عليه وسلم ذلك من مناقبه كما جاء في الحديث: [ولو لبثتُ في السجنِ طولَ ما لَبِثَ يوسفُ لأجَبْتُ الداعي] متفق عليه.

قال الإمام ابن كثير -رحمه الله-: [وقد وردت السنة بمدحه على ذلك، والتنبيه على فضله وشرفه، وعُلُوّ قدره وصبره، صلوات الله وسلامه عليه] (تفسير ابن كثير:4/ 393) ،ثم ذكر الحديث.

قال الإمام ابن حجر -رحمه الله-: [قوله: (ولو لبثت في السجن طول ما لبث يوسف لأجبت الداعي) أي لأسرعت الإجابة في الخروج من السجن ولما قدمت طلب البراءة فوصفه بشدة الصبر حيث لم يبادر بالخروج وإنما قاله صلى الله عليه وسلم تواضعا والتواضع لا يحط مرتبة الكبير بل يزيده رفعة وجلالا وقيل هو من جنس قوله لا تفضلوني على يونس وقد قيل إنه قاله قبل أن يعلم أنه أفضل من الجميع] (فتح الباري: 6/ 413) .

فليس الشأن في رد كل ما يأتي من السجن، وإبطال كل ما يأتي من المسجونين، فهذه قضية كلية لا يغني ذكرها هنا، وإنما الشأن في خصوص وثيقة الترشيد، التي جاءت في مجملها موافقة لمطالب السلطات الحاكمة وأوليائها قادة الحملة الصليبية، إذ يدرك كل مطالع لها مطالعة عابرة أن الأخذ بكل بنودها والالتزام بضوابطها لا يعني إلا الاستسلام لتلك الأنظمة الطاغوتية، وإعطاء الفرصة لها لتلتقط أنفاسها وتستعيد شيئا من عافيتها، كما أنه تعطيل للجهاد تعطيلًا كليًا وسد أبوابه سدًا مانعًا وزحزحة المجاهدين إلى الخيارات الأخرى التي رسمتها الوثيقة والتي ترجع إلى العزلة والانزواء والشعور العميق بالاستضعاف والعجز ليبقى"قيصر"ينعم بالأمن والأمان أبد الدهر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت