قال المرشد: [وفي مقام الجهاد وهو موضوع هذه الوثيقة، فهو كغيره من أمور الدين القدرة عليه من شروط وجوبه، إلا أن القدرة في الجهاد لا تنحصر في ذات المسلم كالقدرة البدنية والمالية وإنما تتعداه إلى واقع الظروف المحيطة به من الموافقين والمخالفين، ولهذا فقد أثنى الله سبحانه على المجاهدين في سبيله، كما أثنى على أصحاب الكهف لما اعتزلوا قومهم، وكذلك أثنى على مؤمن آل فرعون الذي كتم إيمانه، وبالرغم من أن هؤلاء الثلاثة قد واجهوا نفس الواقع (وهو حشد من المخالفين في الدين) فإن ردود أفعالهم التي واجهوا بها هذا الواقع قد اختلفت: فهذا جاهد، وهذا اعتزل، وهذا تخفى بدينه، ومع ذلك فالكل محمود، لأن كلًا منهم قد عمل بما وجب عليه شرعًا في وقته ومكانه وفي حدود استطاعته أهـ]
لا يشك أحدٌ كلما توغل في قراءة هذه الوثيقة ورصد بنودها، أن الغرض الأول منها هو أن تكون حائلًا بين المجاهدين وبين"السلطات الحاكمة"وأوليائها الصليبيين، وأنها تحاول بكل ما أوتيت من شبهات وتمويه وتلفيق إشعار المجاهدين بأن أبواب الجهاد أمامهم موصدة، والطرق المؤدية إلى إقامته مغلقة، وأنه لا إثم عليهم ولا حرج في تركه والتخلي عنه لأنهم عاجزون مستضعفون ومن شروط التكليف -كما هو معلومٌ ومسلَّمٌ- الاستطاعة والقدرة، تمامًا كما ذكرتْ الوثيقة من قبل أن من شروط التكليف (العلم) ثم تسلسلت في تدليس خفي لتخلط بين العلم الذي يتوقف التكليف عليه، وبين العلم الذي يتوجب تحصيله نتيجة حصول التكليف كما مر بيانه، فإذا فقد (العلم) وانعدمت (القدرة) التي يحصل بها التكليف فما بقي إلا أن تقول الوثيقة، إن (البلوغ) أيضًا مفقود ليتم إسقاط الجهاد كليًا عن الأمة، لأن شروط الجهاد كلها معدومة، وليهنأ المسلمون بعدها برفع التكليف والإثم عنهم ولينعم طغاة الحكم وأولياؤهم بسلامة عروشهم وبقاء سلطانهم فلا تكدير، ولا تنغيص، ولا إزعاج سيصل إليهم.
فهنا أمورٌ يلزم التنبيه عليها:
الأول: إن سقوط الجهاد بسبب عدم القدرة وفقدان الاستطاعة، لا يعني سقوط وجوب التحريض عليه وحث الأمة على إحيائه، وتعريفها بحقيقة أعدائها، وشدة كيدهم وعظيم مكرهم بها، وأن مخرجها من عجزها وضعفها إنما يكون ببذل كل الوسع لإقامة علمه، وهو الاتجاه الصحيح الذي يجب على مجموع الأمة أن تسير إليه سيرًا حثيثًا.