الصفحة 76 من 87

أما تعليم الأمة فقه الاستضعاف، ومفاهيم العجز، والخضوع للأمر الواقع، واستلال أي حرج يمكن أن يقع في نفوسها من جراء تقصيرها، فهذا مخالفٌ للأمر الشرعي الذي جاء في قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ} [الأنفال/65] ، وقوله عز وجل: {فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَاسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَاسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا} [النساء/84]

قال الرازي -رحمه الله-: [ (وَحَرّضِ المؤمنين) والمعنى أن الواجب على الرسول عليه الصلاة والسلام إنما هو الجهاد وتحريض الناس في الجهاد، فإن أتى بهذين الأمرين فقد خرج عن عهدة التكليف وليس عليه من كون غيره تاركا للجهاد شيء] (تفسير الرازي: 5/ 308) .

وقال الإمام السعدي -رحمه الله: [ (وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ) على القتال، وهذا يشمل كل أمر يحصل به نشاط المؤمنين وقوة قلوبهم، من تقويتهم والإخبار بضعف الأعداء وفشلهم، وبما أُعد للمقاتلين من الثواب، وما على المتخلفين من العقاب، فهذا وأمثاله كله يدخل في التحريض على القتال.] (تفسير السعدي: 1/ 190) .

بل قال الشيخ عبد القادر نفسه: [العاجز عن الجهاد، عليه أن يُحَرِّض غيره لقوله تعالى: {فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ وَحَرِّضْ الْمُؤْمِنِينَ} ، ولقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضْ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ} ، وهذا واجب على القادر والعاجز وعلى كل مسلم أن يحرض إخوانه على قتال المشركين، ونحن في زماننا هذا أحوج ما نكون للعمل بهذه الآيات وفي هذا أجر عظيم، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ» رواه مسلم عن أبي مسعود البدري.] (العمدة: 40)

وما تقوم به وثيقة الترشيد بترشيدها مخالفٌ لهذا الأمر الرباني مخالفة تامة، فهي تهول شأن أعداء الأمة، وتفخم أمرهم في أعينها، وتشنع على المجاهدين غاية التشنيع، وتظهرهم في صورة المفسدين الذين لا يكادون يتورعون عن شيء، وتدعو الأمة إلى الاستسلام للواقع والرضا بالعجز والقنوع بالاستضعاف، فأين هذا من ذاك؟

الثاني: حينما نقول إن القدرة شرط وجوب الجهاد، فلا بد من أن يكون هناك حدٌّ لهذه القدرة بحيث لو بلغناها وجب علينا أداء الجهاد، وإن تقاصرنا عنها سقط عنا ذاك الوجوب، فما هو هذا الحد، وبِمَ يثبت، بالشرع أم بالعرف؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت