الصفحة 78 من 87

قال الإمام ابن جرير -رحمه الله-: [يقول تعالى ذكره: وسيحلف لك، يا محمد، هؤلاء المستأذنوك في ترك الخروج معك، اعتذارًا منهم إليك بالباطل، لتقبل منهم عذرهم، وتأذن لهم في التخلُّف عنك، بالله كاذبين (لو استطعنا لخرجنا معكم) ، يقول: لو أطقنا الخروجَ معكم بوجود السَّعة والمراكب والظهور وما لا بُدَّ للمسافر والغازي منه، وصحة البدن والقوى، لخرجنا معكم إلى عدوّكم (يهلكون أنفسهم) ،يقول: يوجبون لأنفسهم، بحلفهم بالله كاذبين، الهلاك والعطب، لأنهم يورثونها سَخَط الله، ويكسبونها أليم عقابه (والله يعلم إنهم لكاذبون) ، في حلفهم بالله: (لو استطعنا لخرجنا معكم) ، لأنهم كانوا للخروج مطيقين، بوجود السبيل إلى ذلك بالذي كان عندهم من الأموال، مما يحتاج إليه الغازي في غزوه، والمسافر في سفره، وصحة الأبدان وقوَى الأجسام.] (تفسير الطبري: 14/ 271) .

وقال العلامة ابن عاشور -رحمه الله-: [والاستطاعة القدرة: أي لسنا مستطيعين الخروج، وهذا اعتذار منهم وتأكيد لاعتذارهم] (التحرير والتنوير: 6/ 293) .

فعلمنا من هذا أن الاحتجاج بعدم الاستطاعة على الخروج والجهاد ليس وليد اليوم بل هو موجودٌ من زمن النبوة، كما أن الآية أشارت إلى أن الاحتجاج بذلك ليس مقبولًا على إطلاقه بل قد يكون مدعي العجز كاذبًا في دعواه (والله يعلم إنهم لكاذبون) ولو أتى بالأيمان المغلظة.

وعليه فإن تقدير استطاعة الأمة على الجهاد من عدمها إنما يكون مرجعَه المجاهدون الصادقون، والعلماء الربانيون المؤتمنون، وأصحاب الخبرة المجربون، الذين جمعوا بين الفقه في الدين ومعرفة حقيقية بالواقع واحتياجاته، وممارسة عملية لهذه العبادة، ومن خلال تجربتهم وإدراكهم لقوة عدوهم، يمكنهم أن يقولوا لِمن يدعي العجز: إنهم لصاقون، أو: (إنهم لكاذبون) ، لأن واقع الجهاد يكذب دعواهم، وينفي مزاعم عجزهم.

ومن خلال الحرب الصليبية المعاصرة التي تحالف فيها الكفر تحالفًا لا نظير له، واجتمع لهم من القدرات والإمكانات، والتقنيات، وجموع الجيوش، ودقة التخطيط، وخفايا المكر والكيد مالم يُسمع بمثله، ومع ذلك أثبتت الأمة -بفضل الله تعالى- أن لديها من الطاقة والقدرة والاستطاعة على كسر شوكة أعدائها ما يقرب من الخيال، وذلك بفضل توكلها على ربها، وعدم استسلامها لدعاوى عجزها وضعفها، وتضافر جهود أبنائها، وإقدامهم على صور من التضحيات النادرة التي جعلت عدوها يقف

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت