الصفحة 79 من 87

مشدوهًا حائرًا مرتبكًا، بل يولي هاربًا خائبًا لا يلوي علي شيء، وقد كانوا بالأمس {خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [الأنفال/47]

فإذا كانت الأمة -مع تفرقها وتشتتها وتسلط المجرمين عليها- استطاعت أن توقف السيل الصليبي الجارف وتحبط مخططاته -وقوتهم أضعاف أضعاف قوة (السلطات الحاكمة) بعشرات المرات- فكيف تكون الأمة عاجزة عن اقتلاع جذور هذه الأنظمة الطاغوتية التي لا تستمد قواها إلا من وُجُود وَجودِ هؤلاء الصليبيين الذين أظهرت الأمة (العاجزة المستضعفة) عجزهم وضعفهم وخورهم فصاروا بفضل الله تعالى مسخرة الدنيا.

فلو أن المجاهدين والعلماء الصادقين انتظروا توجيهات السجون، ووثائق ترشيدها، وترقبوا ما يقولون في حق الأمة حينما زحفت جموع الصلبان على الديار والأقطار، وراحوا يستشيرونهم هل الأمة عاجزة أم قادرة على مواجهة هذه الجيوش كلها؟ - لكانت النتيجة اليوم أسوأ ما يمكن لعقل أن يتصوره، ولكانت خارطة دول المنطقة على غير وجهها الذي نراه اليوم، بل ولما كانت هذه الوثائق لتخرج من السجون لأن الحاجة إليها منتفية، إذ القوة والسلطان والغلبة لهم، وليس هناك من يناوؤهم ويصاولهم حتى يُحتاج إلى تثبيط عزائمه وترويض صورامه بمثل هذه الوثائق المسمومة المشؤومة.

ولنا هنا سؤال ضروري، فحينما زحف الجيش الأحمر الشيوعي- وكان إذ ذاك أعتى الجيوش وأشرسها وأخبثها- على أفغانستان وهي دولة صغيرة فقيرة لا تقارن قوة شعبها المادية بأي شعب من الشعوب التي تتحكم فيها (السلطات الحاكمة) ، ودهمها ذلك العدو بعدده وعُدده، وحده وحديده تدعمه (السلطات الحاكمة) في تلك البلاد فتعاضدت قوى الداخل بقوى الخارج فازدادوا قوة على قوتهم، وأطبق الخطب على ذلك الشعب المسكين، ومع ذلك كله لم نسمع أحدًا من علماء الأمة -لا في أفغانستان ولا غيرها- يحتج على إسقاط مقاتلة الغزاة بالعجز والاستضعاف، بل نادى منادي النفير، وطار لساحات الجهاد الصغير قبل الكبير، ,وأنفقت الأمة كنوز أموالها، وقدمت خيار رجالها، ولا زالت تصبر وتصابر، وتألم وتُؤلم، وتصيب وتصاب، حتى انكشفت الغمة، وأزيلت الظلمة، واندحر جيش الإلحاد وانكسرت شوكة أهل الفساد والعناد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت