فهرس الكتاب
وهو صريح في إعماله البيِّنة، وأحقّيتها بالدَّلالة على المطلوب، وتأسيس القضاء عليه من اليمين الفاجرة.
وأمَّا المعقول فهو أنَّ البيِّنة أصل واليمين بدل وخلف، فلا يُصار إلى البدل إلاَّ عند تعذُّر الأصل، ثُمَّ أنَّ اليمين حُجَّة ضعيفة، وهي شُرِعَت لقطع الخصومة في الحال لا يقطع الحقّ عند المجيزين، فهي لا ترفع النَّازعة، ولا تسقط الحقّ، أو تبرئ الذّمة فتترجَّح عليها البيِّنة، التي ترفع المنازعة وتبرئ الذمة [1] .
رَاي المانعين:
المانعون هم الظَّاهريّة، والإماميّة، والأباضيّة. ولِمَا بينهم من اختلاف يسير نعرض آراءهم وأدلتها ومناقشتهما فيما يلي:
قال ابن حزم:"وكُلّ مَنْ ادَّعى على أحد وأنكر المدعى عليه فكلّف المدعي البيِّنة، فقال: لي بيِّنة غائبة، أو قال: لا أعرف لنفسي بيِّنة، أو قال: لا بيِّنة لي، قيل له: إنْ شئت فدع تحليفه حتَّى تحضر بيِّنتك أو لعلَّك تجد بيِّنة، وإنْ شئت حلفته وقد سقط حكم بيِّنتك الغائبة جملة، فلا يقضى لك بها أبدًا، وسقط حكم بيِّنة تأتي بها بعد هذا عليه، ليس لك إلاَّ هذا فقط، فأيُّ الأمرين اختار قضي له به، ولم يلتفت له إلى بيِّنة في تلك الدَّعوى بعدها، إلاَّ أن يكون تواتر يوجب صحة العلم ويقينه أنَّه حلف كاذبًا فيقضى عليه بالحقّ أو يُقرّ بعد أنْ يكون حلف فيلزمه ما أقرَّ به، وقال مالك: إنْ عرف الطَّالب أنَّ له بيِّنة فاختار تحليف المطلوب فقد سقط حكم بيِّنته، ولا يقضى بها له إنْ جاء بها بعد ذلك، وأمَّا إنْ لم يعرف أنَّ له بيِّنة فاختار تحليف المطلوب فحلف ثُمَّ وجد بيِّنة فإنَّه يقضى له بها" [2] .
وقد ناقش ابن حزم أدلة المجيزين للقضاء بالبيِّنة بعد اليمين، فذكر أنَّ معنى:"البيِّنة العادلة"الوارد في الحديث قاصرة على: بيِّنة التَّواتر، وعلم القاضي، والإقرار، وما سواها فلا يصدق المعنى فيها. حيث قال:
(1) انظر: تبصرة الحُكَّام، ص 227.
(2) انظر: المحلى بالآثار: لابن حزم، 17/ 295.