الصفحة 41 من 43

"وأمَّا قول أبي حنيفة، والشَّافعيّ، ومالك، وأحمد، في قضائهم بالبيِّنة بعد يمين المنكر، فإنَّ قولهم:"البيِّنة العادلة خير من اليمين الفاجرة"، فنقول: صحيح لو أيقنا أنَّ البيِّنة عادلة عند الله عزَّ وجلَّ، وأنَّ يمين الحالف فاجرة بلا شكّ، وأمَّا إذا لم يوقن أنَّ البيِّنة صادقة، ولا أنَّ اليمين فاجرة، فليست الشَّهادة أوْلَى من اليمين، إذ الصِّدق في كليهما ممكن، والكذب في كليهما ممكن، إلاَّ بنص قرآن أو سُنَّة تأمرنا بإنفاذ البيِّنة؛ وإنْ حلف المنكر لا يعتدُّ به، ولا يوجد في ذلك نص أصلًا، فسقط هذا القول بيقين؛ بل وجدنا النَّص بمثل قولنا، والحمد لله رب العالمين".

ويقول ابن حزم:"كما روينا من طريق مسلم بن الحجاج عن"علقمة بن وائل بن حجر قال: كنت عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأتاه رجلان يختصمان في أرض، فذكر أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال للطَّالب: (بيِّنتك؟) قال: ليس لي بيِّنة، قال: (يمينه) ، قال: إذًا يذهب بها ـ يعني بما لي ـ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (ليس لك إلاَّ ذلك) ، فنفيه عليه الصَّلاة والسَّلام على أنَّه ليس للطَّالب إلاَّ بيِّنة أو يمين المطلوب فصحَّ يقينًا أنَّه ليس إلاَّ أحدهما لا كلاهما، وبطل أنْ يكون له كلا الأمرين بيقين، فإنْ قيل: فإنَّكم تتحكّمون للطَّالب بعد يمين المطلوب بالتَّواتر، وبعلم الحاكم، وبإقراره؟ قلنا: نعم، وكُلّ هذا ليس بيِّنة، لكنه يقين الحقّ، ويقين الحقّ فرض إنفاذه، وليست شهادة العدول كذلك؛ بل يمكن أنْ يكونوا كاذبين أو مغفلين، ولولا النَّص بقبولهم وباليمين ما حكمت بشيء من ذلك بخلاف يقين العلم" [1] ."

ويتفق الإماميّة والإباضيّة مع الظَّاهريّة في عدم القضاء بالبيِّنة بعد اليمين.

تلكم هي أقوال وأدلة المانعين القضاء بالبيِّنة بعد اليمين.

ثانيًا: تقديم اليمين عند التَّعارض بعد القضاء:

يذهب المالكيّة، والمتقدمون من الحنفيّة، والشَّافعيّة، والحنابلة، والزَّيديّة في قول إلى الاعتداد بالبيِّنة وإنْ سبق القضاء باليمين، ووجه القياس أنَّ النُّكول واليمين المردودة أقوى من اليمين المجمّدة.

(1) انظر: تبصرة الحُكَّام، 228.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت