قال ابن الهمام في فتح القدير 6: 360-361: واعلم أن ما ذكر في القاضي ذكر في المفتي فلا يفتي إلا المجتهد , وقد استقر رأي الأصوليين على أن المفتي هو المجتهد , وأما غير المجتهد ممن يحفظ أقوال المجتهد فليس بمفت , والواجب عليه إذا سئل أن يذكر قول المجتهد كأبي حنيفة على جهة الحكاية , فعرف أن ما يكون في زماننا من فتوى الموجودين ليس بفتوى , بل هو نقل كلام المفتي ليأخذ به المستفتي , وطريق نقله كذلك عن المجتهد أحد أمرين إما أن يكون له فيه سند إليه أو يأخذه من كتاب معروف تداولته الأيدي , نحو كتب محمد بن الحسن ونحوها من التصانيف المشهورة للمجتهدين لأنه بمنزلة الخبر المتواتر عنهم أو المشهور , وشهد هكذا ذكر الرازي فعلى هذا لو وجدنا بعض نسخ النوادر في زماننا لا يحل عزو ما فيها إلى محمد ولا إلى أبي يوسف لأنها لم تشتهر في عصرنا في ديارنا ولم تتداول . نعم إذا وجد النقل عن النوادر مثلا في كتاب مشهور معروف كالهداية والمبسوط كان ذلك تعويلا على ذلك الكتاب , فلو كان حافظا للأقاويل المختلفة للمجتهدين ولا يعرف الحجة ولا قدرة له على الاجتهاد للترجيح لا يقطع بقول منها يفتي به , بل يحكيها للمستفتي فيختار المستفتي ما يقع في قلبه أنه الأصوب ذكره في بعض الجوامع . وعندي أنه لا يجب عليه حكاية كلها بل يكفيه أن يحكي قولا منها فإن المقلد له أن يقلد أي مجتهد شاء , فإذا ذكر أحدها فقلده حصل المقصود , نعم لا يقطع عليه فيقول جواب مسألتك كذا بل يقول قال أبو حنيفة حكم هذا كذا , نعم لو حكى الكل فالأخذ بما يقع في قلبه أنه الأصوب أولى . والعامي لا عبرة بما يقع في قلبه من صواب الحكم وخطئه , وعلى هذا إذا استفتى فقيهين: أعني مجتهدين فاختلفا عليه الأولى أن يأخذ بما يميل إليه قلبه منهما . وعندي أنه لو أخذ بقول الذي لا يميل إليه قلبه جاز لأن ميله وعدمه سواء , والواجب عليه تقليد مجتهد وقد فعل أصاب ذلك المجتهد أو أخطأ .