هو يفعل كذا، وهذا الهاء لا يميز اسمًا من اسم فتكون هذهِ الكناية من الصريح بمنزلة المشترك من المفسر، وكذلك كل اسم هو ضمير نحو انا وانت ونحن فهو كناية، وكل ما يكون متردد المعنى في نفسه فهو كناية، والمجاز قبل ان يصير متعارفًا بمنزلة الكناية ايضًا لما فيه من التردد، ومنه اخذت الكنية فانها غير الاسم ... وهذا ليس من المجاز في شيء ولكن لما كان معرفة المراد منه بغيره سمي كنية) [1] .
ويتضح من خلال هذا النص ان استتار دلالة اللفظ في نفسه، وحاجته إلى قرينه بيان تفسر المقصود منه هو السمة المميزة للدلالة الكنائية عند السرخسي، بل هي المعيار الذي يتم على اساسه وصف دلالة أي لفظ متردد المعنى على انها دلالة كنائية. فكل استتار في المعنى هو كناية سواء على مستوى اللفظ أو حتى على مستوى الحرف.
وتتأتى سمة الاستتار للدلالة الكنائية من ان الكناية، كما سبقت الاشارة يتجاذبها طرفان حقيقة ومجاز دون غلبة طرف على اخر اذ إن ظهور المعنى الكنائي يمتنع معه ظهور القرائن الحاجبه للمعنى الحقيقي، وهو ما يتيح ادراك دلالتين على صعيد واحد، وهو ما يؤكد وقوع الكناية في منطقة وسطى بين الحقيقة والمجاز، فلا يمكن ان تستقل بها دائرة الحقيقة لان الصياغة لم تنتج معناها فحسب بل لازما مرافقًا لها، كما لا يمكن الميل بها إلى دائرة المجاز لانعدام وجود قرينة مانعة من ارادة المعنى الوضعي [2] ، دون ان يسبب هذا الأزدواج حالة من التناقض ذلك انه راجع إلى الأفادة من الصياغة وليس إلى الاستعمال فالاستعمال مرتبط بالحقيقة الوضعية، اما الافادة فهي التي ترتبط باللزوم الطارئ [3] . فعندما تقول (جاء ابو محمد) تكون أُبوَّة محمد مستلزمة لمعرفة الشخص المقصود وكذلك قولنا (نؤوم الضحى) فان نومها إلى الضحى يستلزم ان يكون لها من يكفيها امور بيتها فقد افيد من اللفظ لازم معناه دون
(1) اصول السرخسي: 1/ 188.
(2) نهاية الايجاز (الرازي) : 103.
(3) ينظر: البلاغة العربية قراءة اخرى 187 - 188.