الحكم بها لا يثبت الا بالنية أو ما يقوم مقامها من دلالة الحال، لان في المراد بها معنى التردد فلا تكون موجبة للحكم ما لم يزل ذلك التردد بدليل يقترن بها) [1] .
واذا كان سياق الحال هو مجموعة الظروف المحيطة بالحدث اللغوي وهي تشمل المتكلم والمخاطب والكلام وجميع المشاهدين له والمشتركين معه ممن لهم دور في اداء المعنى المقصود فان السرخسي يعد النية التي تمثل في حقيقتها قصد المتكلم اهم قرائن هذا السياق التي من شأنها تحديد المعنى المراد من الكناية، ومن الامثلة التي يتناولها السرخسي في هذا الموضع مما يستعمل من الألفاظ كناية عن الطلاق هو (قوله اعتدى فانه كناية لاحتماله وجوهًا متغايرة وعند ارادة الطلاق لا يكون اللفظ عاملًا في حقيقته، فان حقيقته من باب العد والحساب وذلك محتمل عدد الاقراء وغير ذلك، فاذى نوى الطلاق ... وقع الطلاق بمقتضاه من حيث إن الأحتساب بعدد الاقراء من العده لا يكون الا بعد الطلاق فكأنهُ صرّح بالطلاق) [2] .
ونلاحظ في هذا المثال ان دور قصد المتكلم يتمثل في تحقيق عملية تجاوز لمستوى الدلالة الحقيقية والنظر في المستوى العميق لحركة الذهن التي تمتلك قدره الربط بين اللوازم والملزومات، مع الاحتفاظ بحق الحضور التقديري لمستوى الدلالة الوضعية واذا لم يتحقق هذا التجاوز المرتبط بالنية فأن المنتج الصياغي يضل في دائرة الحقيقة، يعمل على الاخبار عن حالة بعينها دون تجاوزها إلى لوازمها أو مفهومها [3] ، وقد اشار السرخسي إلى مستوى الدلالة الحقيقية لقوله (اعتدى) وهي العد والاحتساب مع احتماله لعدد الاقراء الذي تربط حركة الذهن بينة وبين ما يستخلصه العقل من مقتضى الطلاق من حيث ان الاحتساب بعدد الاقراء لا يكون الا بعدة، فالمعنى المقصود هو ما يتحقق من الربط بين اشارات دلالية من الطرفين كليهما (عدد الاقراء- الطلاق) ومكانها المستوي العميق لحركة الذهن والذي اقتضى الانتقال لهذا المستوي هو نية المتكلم وقصدهِ لمعنى الطلاق التي تستحث حركة
(1) المصدر نفسه: 1/ 188.
(2) اصول السرخسي: 1/ 189.
(3) ينظر نهاية الايجاز: 103، البلاغة العربية قراءة اخرى 187.