فهرس الكتاب
كاذبا .. ففي تجويز نفي صيغة الأمر عن المندوب دليل ظاهر على أن الاسم يتناوله مجازا لا حقيقة) [1] .
ويشير هذا الدليل إلى إثبات سمة أخرى من سمات المعنى الحقيقي وهي عدم جواز نفيه عن اللفظ.
ونلاحظ أن هذه الأدلة المتنوعة المتحدة يسعى من خلالها السرخسي بإثبات إن حقيقة صيغة الأمر هو الوجوب ولإثبات هذه الحقيقة لابد من الوقوف على سمات الدلالة الحقيقية التي يجب أن يتسم بها المعنى ليوصف بأنه حقيقة في اللفظ وهذه السمات هي التبادر، والاطراد، وعدم صحة نفي المعنى الحقيقي عن اللفظ وهي ما سعى السرخسي إلى إثبات أن الوجوب يتسم بهذه السمات ليدلل على انه حقيقة في صيغة الأمر غير أن ما توسل إليه السرخسي لإثبات هذه الحقيقة يمثل في جانب آخر منه مظاهر متنوعة من الاعتماد على السياق في تحديد المعنى فالقرائن التي سعى السرخسي إلى تحصيلها هي قرائن تتنوع بين عرفية وشرعية وعقلية ولغوية وهي في جميعها محاولة للإحاطة بجميع حالات استعمال الصيغة والظروف الملابسة لها إذ تجمع بين الجانب اللغوي للصيغة والجانب الاجتماعي تمثلت هذه الملامح في محاولته النظر إلى هذه الصيغة في لغة العرب باستعمالهم لها أو ضمن الحديث أو ضمن النصوص القرآنية فهو يتابع الصيغة في سياقاتها التي ترد فيها بمعنى دراستها في واقع عملي أي في الكلام ثم يستخلص بعد أن يجمع عددا من هذه السياقات التي ترد فيها الصيغة بالمعنى الحقيقي لها وهو الوجوب وبذلك يتفق السرخسي مع أصحاب النظرية السياقية التي ترى إن معنى الكلمة هو استعمالها في اللغة أو الطريقة التي تستعمل بها والدور الذي تؤديه ولذلك فتحديد معناها يتطلب تحليلا للسياقات والمواقف التي ترد فيها الكلمة حتى ما كان منها غير لغوي [2] . فان الذي جعل السرخسي يختار الوجوب حقيقة في صيغة الأمر
(1) المصدر نفسه:1/ 15.
(2) ينظر: علم الدلالة (عمر) :68 - 69.