فهرس الكتاب
أحد إن الثاني غير الأول. وبهذا يتبين انه ليس في هذه الصيغة احتمال العدد ولا احتمال التكرار، إلا ترى إن من يقول لغيره اشتر لي عبدا لا يتناول هذا اكثر من عبد واحد، ولا يحتمل الشراء مرة بعد مرة أيضا؟ ... إلا أن ما به يتم فعله عند الحركات التي توجد منه له كل وبعض فيثبت بالصيغة اليقين الذي هو الأقل للتيقن به ويحتمل الكل حتى إذا نواه عملت نيته فيه) [1] . فالأمر مؤلف من صيغة تدل على مادة والمادة إنما تدل على صرف الطبيعة وصيغة افعل تدل على طلب هذه الطبيعة، والمرة والتكرار صفات زائدة على هذين المعنيين، وتحتاج استفادة هذه الصفات الزائدة إلى قرينة. وحيث لا قرينة -حسب الفرض- فلا دلالة لصيغة الأمر على المرة أو التكرار. غاية الأمر إن المرة قدر متيقن يستفاد من إطلاق الكلام [2] . فصيغة الأمر في نظر السرخسي لا تدل بذاتها على مرة أو تكرار عدد، وإنما يستفاد دلالتها عليها من القرائن، السياق فالقرينة تنقل الصيغة من دلالتها على وجوب البعض إلى دلالتها على وجوب الكل فهو (لا يكون موجبا للكل إلا بدليل) .
ويحاول السرخسي تحليل صيغة الأمر من هذا الجانب ببيان السمات العددية لها وكذلك توضيحه لمعنى البعض والكل الذي يعده من محتملاتها، والحقيقة إن البحث السياقي يتطلب مرحلة أولى في دراسة المعنى هي التحليل الدلالي للكلمة وهي مجردة عن قرائن السياق حيث يرى (إن قول القائل اضرب أي اكتسب ضربا، وقوله طلق أي أوقع طلاقا، وهذه صيغة فرد فلا تحتمل الجمع ولا توجبه، وفي التكرار والعدد جمع لا محالة والمغايرة بين الجمع والفرد على سبيل المضادة، فكما إن صيغة الجمع لا تحتمل الفرد حقيقة، فكذا صيغة الفرد لا تحتمل الجمع حقيقة ... فالبعض مما تتناوله هذه الصيغة فرد صورة ومعنى وكل فرد من حيث الجنس معنى، فانك إذا قابلت هذا الجنس بسائر الأجناس كان جنسا واحدا وهو جمع صورة فعند عدم النية لا يتناول إلا الفرد صورة ومعنى ولكن فيه احتمال الكل لكون ذلك فردا
(1) اصول السرخسي 1/ 23.
(2) ينظر: مفتاح الوصول الى علم الاصول:1/ 287.