الصفحة 136 من 195

وما ذهب إليه أصحاب المذهب الثاني هو الراجح في نظري، لان صيغة الأمر مجردة عن القرائن لا تدل إلا على مجرد الطلب أما دلالتها على زمن المستقبل فلا دلالة للصيغة على الزمان بدلالة الوضع اللغوي، وإنما يفهم منه الزمان بدلالة الالتزام ولذلك يستفاد دلالة الصيغة على الفور أو التراخي من القرائن الخارجية التي تختلف باختلاف المقامات.

وقد اختار السرخسي هذا المذهب إذ يقول: (والذي يصح عندي من مذهب علمائنا رحمهم الله انه على التراخي فلا يثبت حكم وجوب الأداء على الفور بمطلق الأمر) [1] ، ويحتج لذلك بالفرق بين المعنى المتبادر من صيغة الأمر المقيدة والمتبادر من صيغة الأمر المطلقة فيقول: (إن قول القائل لعبده افعل كذا الساعة يوجب الائتمار على الفور، وهذا أمر مقيد، وقوله افعل مطلق وبين المطلق والمقيد مغايرة على سبيل المنافاة فلا يجوز أن يكون حكم المطلق ما هو حكم المقيد فيما يثبت التقييد به، لان في ذلك إلغاء صفة الإطلاق واثبات التقييد من غير دليل، فانه ليس في الصيغة ما يدل على التقييد في وقت الأداء) [2] فحين يكون الأمر غير مقيد بوقت فان الصيغة مجردة عن أي قرينة زمنية فدلالتها تكون على مجرد الطلب وليس في الصيغة بذاتها دلالة على الفور أو التراخي وإنما تستفاد هذه الدلالة من قرائن السياق اللغوية والحالية بما فيها من قرينة تحيل إلى دليل في العقل كدلالتها الالتزامية على زمن المستقبل أو إن الإنسان مندوب بالمسارعة لفعل الخير بأمره تعالى: فاستبقوا الخيرات [3] .

ومن الجدير بالذكر إن ما ذهب إليه السرخسي في عد صيغة الأمر موضوعة لمطلق الطلب هو الأجدر على دراسة الصيغة مجردة عن القرائن ممن ذهبوا إلى دلالتها على الفور أو أنها تتردد بين الفور والتراخي (فالخلاف بين

(1) اصول السرخسي:1/ 26.

(2) اصول السرخسي:1/ 27.

(3) البقرة:148.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت