الصفحة 139 من 195

تعالى: اعملوا ما شئتم انه بما تعملون بصير [1] فان بسياق النظم يتبين انه ليس المراد ما هو موجب صيغة الأمر بهذه الصفة) [2] .

إن أول ما يطالعنا في هذا النص هو إدراك السرخسي الواضح لمصطلح السياق ويقصد به سياق النظم الذي هو في حقيقته السياق اللغوي وهذه التسمية (سياق النظم) هي تسمية دقيقة تحاول تحديد الجانب الذي يهتم به هذا النوع من السياق إذ تحدد موضوع بحثه وهو (النظم) ، والنظم كما يعرفه عبد القاهر الجرجاني ليس (سوى تعليق الكلم بعضها ببعض وجعل بعضها بسبب من بعض) [3] ومن خلال النص السابق يتضح أن مفهوم النظم عند السرخسي لا يختلف عما يراه الجرجاني أي يشمل النظم اللفظي للكلمة وموقعها من ذلك النظم، فهو يتناول البنية الداخلية للنص دون الرجوع إلى القرائن الحالية، فدلالة سياق النظم هي محصلة العلاقات القائمة بين الكلمات داخل الجملة أو النص، وما نلاحظه إن الدلالة المجازية التي يحددها السرخسي للآيات الواردة في النص السابق إنما يعتمد في تحديدها على العناصر اللغوية في النص فقط من ذكر جملة سابقة أو لاحقة تحول مدلول الأمر إلى دلالة أخرى غير دلالته على طلب الفعل حيث ينحرف الكلام عن نسقه المعياري المألوف فان أي (عدول في السياق يمكن أن ينقل عبارة واحدة من مدح إلى ذم ومن تقرير مجرد إلى تلميح خفي بل أن السياق يمكن أن ينقل الكلمة إلى ضد معناها المعروف) [4] .

وإذا كنا نبحث في موضعنا هذا عن اثر السياق في خلق العدول بما يوفره من قرينة تمنع من إرادة المعنى الحقيقي فان القرينة في الآيتين السابقتين هي معنى التهديد والوعيد في قوله تعالى انا اعتدنا للظالمين نارا وقوله تعالى (انه بما تعملون

(1) فصلت:40.

(2) اصول السرخسي 1/ 192 - 193.

(3) دلائل الاعجاز: المدخل ق.

(4) مبادئ علم الاسلوب العربي (شكري محمد عياد) 128.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت