الصفحة 142 من 195

3 -دلالة من محل الكلام:

يبين السرخسي هذا النمط من قرائن السياق فيقول: (في قوله تعالى وما يستوي الأعمى والبصير [1] فان بدلالة محل الكلام يعلم انه ليس المراد نفي المساواة بينهما على العموم بل فيما يرجع إلى البصر فقط، وقد قلنا إن لفظ العموم في غير المجاز القابل للعموم يكون بمعنى المجمل فلا يثبت به إلا ما يتيقن انه مراد به ويكون ذلك شبه المجاز لدلالة محل الكلام) [2] .

إن ما يقصده السرخسي لمحل الكلام هو موضوع الكلام المراد التعبير عنه أي موضوع الخطاب الذي هو نفي المساواة بين الأعمى والبصير ولكن لما كانت العلاقة بين كلمة الأعمى وكلمة البصير هي علاقة تضاد دلالي تختص بصفة معينة إذ ينشا التضاد على أساس وجود وافتقاد لتلك الصفة وهي البصر، ولما كانت وظيفة علاقة التضاد الدلالية هي إبراز تلك الصفة التي تربط بينهما يخرج الكلام عن مقتضاه الظاهر وهو (نفي المساواة بينهما على العموم) لان العموم هو موجب ألفاظ الكلام عند الإطلاق إلى ما يناسب السياق ليختص بجزء منه فيتبين إن المقصود منه هو نفي المساواة بينهما في مسالة البصر فقط. فما يتناوله السرخسي في هذا الموضع من مهام السياق هو ضرورة اتحاد الخطاب مع المعنى المراد نقله إلى السامع أو اتحاد الموقف مع النص فيخرج الكلام عن ما يقتضيه ظاهره لأمر يحتمه السياق ويكون ذلك سببا في عدول الكلام عن معناه الحقيقي إلى معنى مجازي هو الغرض المقصود منه فوظيفة قرائن السياق هي تخصيص دلالة العموم لألفاظ الكلام والتخصيص هو دلالة مجازية.

ويمكن القول بعد هذا العرض لأنواع القرائن السياقية إن السرخسي يقدمها على أساس اختيار لجانب واحد من وظائف السياق الدلالية وهي وظيفته في تحقيق العدول عن المعنى الحقيقي واختيار هذه الوظيفة في هذا الموضع إنما ينم عن إدراك

(1) غافر:58.

(2) اصول السرخسي:1/ 194.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت