الصفحة 76 من 195

كوجود الحقيقة اذ يقول:- (وكل واحد من النوعين موجود في كلام الله تعالى وكلام النبي صلى الله عليه وسلم وكلام الناس في الخطب والاشعار وغير ذلك حتى كاد المجاز يغلب الحقيقة لكثرة الاستعمال، وبه اتسع اللسان وحسن مخاطبات الناس بينهم) [1] .

ان اشارة السرخسي إلى شيوع المجاز وغلبته للحقيقة لكثرة الاستعمال دليل على ان المجاز ظهر نتيجة للضرورات التعبيرية للانسان باللغة واستجابة لرغباته في التعبير عن المعاني باستعمال جديد لثروته اللفظية فغايته دلالية وجمالية في نفس الوقت فقد يكون لحاجة او لتوخي الدقة في التعبير وقد تكون للخروج عن المألوف [2] . وقد دل وقوعه في كلام الله وكلام نبيه (ص) وفي الخطب والاشعار على سلامة وصحة المجاز كاستجابة لضرورات التعبير فمنها نستدل على ان هذا الوجود لا يشكل إخلالا بالتفاهم بين الناس بمعنى ان وجوده يمثل وظيفة دلالية في اللغة، فقد وجد الناس في الاستعمال المجازي بما يوفره من خرق لبنود المواضعة سبيلًا إلى توسعه اللغة من خلال منحها قدرات تعبيرية جديدة بالالفاظ نفسها (تطبيقا لفكرة الاقتصاد في الاستعمال اللغوي) [3] .

واذا كان الاتساع واحدًا من مبررات الاستخدام المجازي والذي يجعل للمجاز دورًا مهمًا يساهم من خلاله في استكمال اللغة لقدرتها على اداء وظيفتها الاساسية وهي الابانة فان من متطلبات الابانة الوضوح والدقة، ويشير السرخسي إلى ان هذا الوضوح وهذه الدقة التي تتسم بها دلالة الاستعمال المجازي كانا سببًا في استحسان الناس للمجاز (وبه حسن مخاطبات الناس بينهم) (فالتعبير بالحقيقة يفيد العلم، والتعبير بلوازم الشيء الذي هو المجاز لا يفيد العلم بالتمام، فيحصل دغدغة نفسانية فكان المجاز اكدوا ألطف) [4] ، حيث ان الاسم مثلا علامة على الشيء ولكننا حيث

(1) اصول السرخسي: 1/ 171.

(2) ينظر: دلالة الالفاظ (انيس) : 130 - 131.

(3) الاصول (تمام حسان) 332.

(4) الزهر 1/ 361.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت