الصفحة 102 من 114

الهجر أسلوب شاق على النفس ، شديد الوقع على الفؤاد ، وهو أكثر الأساليب قسوة خاصة إن عوامل به طفل رقيق القلب ، بالغ الحساسية .

فلا يلجأ إليه إلا نادرًا ، مع مراعاة أن يكون محكمًا ، واضح الهدف ، معلَّل الغاية ، وألا تسقط به الواجبات ، أو تضيع به الحقوق ، كرد السلام وعيادة المريض ونحوها .

وهو يدفع الشخص المهجور إلى العودة أحسن مما كان ، وينشطه نشاطًا يستنفذ فيه قواه ويستخرج كافة طاقاته للعودة إلى الوضع الاجتماعي الطبيعي .

ولنَرَ حال كعب بن مالك - رضي الله عنه - حين هجره المسلمون لتخفه عن غزوة تبوك ، ونهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن كلامنا ، قال فاجتنبنا الناس ، أو قال تغيروا لنا حتى تنكرت لي في نفسي الأرض فما هي بالأرض التي أعرف ، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة . فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان ، وأما أنا فكنت أشب القوم وأجلدهم فكنت أخرج فأشهد الصلاة وأطوف في الأسواق ولا يكلمني أحد ، وآتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة ، فأقول في نفسي هل حرك شفتيه برد السلام أم لا ؟ ثم أصلي قريبًا منه وأسارقه النظر فإذا أقبلت على صلاتي نظر إلي ، وإذا التفت نحوه أعرض عني .

ولنَرَ الأثر الإيجابي للهجر عليه ، وبقاء هذا الأثر طيلة عمره ، قال كعب بعد أن نزلت توبته: فلما جلست بين يديه - صلى الله عليه وسلم - قلت: يا رسول الله إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (( أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك ) )فقلت: إني أمسك سهمي الذي بخيبر ، وقلت: يا رسول الله إن الله تعالى إنما أنجاني بالصدق وإن من توبتي أن لا أحدث إلا صدقًا ما بقيت ، فوالله ما علمت أحدًا من المسلمين أبلاه الله تعالى في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحسن مما أبلاني الله تعالى .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت