الصفحة 133 من 1087

والذي نختار: قول أئمتنا: أن ترك المراء في الدين، والكلام في الإيمان مخلوق أو غير مخلوق، ومن زعم أن الرسول صلى الله عليه وسلم واسط يؤدى، وأن المرسل إليهم أفضل ـ فهو كافر باللّه، ومن قال بإسقاط الوسائط على الجملة فقد كفر. ا. هـ.

ومن متأخريهم الشيخ الإمام أبو محمد عبد القادر بن أبي صالح الجيلاني، قال في كتاب [الغنية] : أما معرفة الصانع بالآيات والدلالات على وجه الاختصار، فهو أن يعرف ويتيقن أن اللّه واحد أحد. إلى أن قال:

وهو بجهة العلو مستو على العرش، محتو على الملك، محيط علمه بالأشياء {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} [فاطر: 10] ، {يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاء إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ} [السجدة: 5] ؛ ولا يجوز وصفه بأنه في كل مكان، بل يقال: إنه في السماء على العرش، كما قال: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5] .

/وذكر آيات وأحاديث إلى أن قال: وينبغي إطلاق صفة الاستواء من غير تأويل، وأنه استواء الذات على العرش قال: وكونه على العرش مذكورٌ في كل كتاب أنزل على كل نبي أرسل بلا كيف. وذكر كلاما طويلا لا يحتمله هذا الموضع، وذكر في سائر الصفات نحو هذا.

ولو ذكرت ما قاله العلماء في هذا لطال الكتاب جدًا.

قال أبوعمر بن عبد البر: روينا عن مالك بن أنس، وسفيان الثوري، وسفيان بن عيينة، والأوزاعي، ومعمر بن راشد [في أحاديث الصفات] أنهم كلهم قالوا: أمِرُّوها كما جاءت؛ قال أبو عمر: ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم مننقل الثقات أو جاء عنه أصحابه ـ رضي اللّه عنهم ـ فهو علم يُدَان به، وما أحدث بعدهم ـ ولم يكن له أصل فيما جاء عنهم ـ فهو بدعة وضلالة.

وقال في [شرح الموطأ] لما تكلم على حديث النزول، قال: هذا حديث ثابت النقل صحيح من جهة الإسناد، ولا يختلف أهل الحديث في صحته، وهو منقول من طرق ـ سوى هذه ـ من أخبار العدول عن النبي صلى الله عليه وسلم، وفيه دليل على أن اللّه في السماء على العرش استوى من فوق سبع سموات، كما قالت الجماعة، وهو من حجتهم على [المعتزلة] في قولهم: إن اللّه ـ تعالى ـ في كل مكان بذاته المقدسة.

قال: والدليل على صحة ما قال أهل الحق قول اللّه ـ وذكر بعض الآيات ـ/ إلى أن قال: وهذا أشهر وأعرف عند العامة والخاصة من أن يحتاج إلى أكثر من حكايته؛ لأنه اضطرار لم يوقفهم عليه أحد، ولا أنكره عليهم مسلم.

وقال أبو عمر بن عبد البر أيضًا: أجمع علماء الصحابة والتابعين الذين حمل عنهم التأويل قالوا في تأويل قوله: {الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ} [المجادلة: 7] : هو على العرش وعلمه في كل مكان، وما خالفهم في ذلك من يحتج بقوله.

وقال أبوعمر أيضًا: أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة، والإيمان بها، وحملها على الحقيقة، لا على المجاز، إلا أنهم لا يكيفون شيئا من ذلك، ولا يَحُدُّون فيه صفة محصورة.

وأما أهل البدع ـ الجهمية والمعتزلة كلها والخوارج ـ فكلهم ينكرونها، ولا يحملون شيئا منها على الحقيقة، ويزعمون أن من أقر بها مشبه، وهم عند من أقر بها نافون للمعبود، والحق فيما قاله القائلون بما نطق به كتاب اللّه وسنة رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، وهم أئمة الجماعة.

هذا كلام ابن عبد البر إمام أهل المغرب.

وفي عصره الحافظ أبوبكر البيهقي، مع توليه للمتكلمين من أصحاب أبي الحسن الأشعري، وذبه عنهم، قال: في كتابه [الأسماء والصفات] :

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت