الصفحة 142 من 1087

عليه وسلم حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه، وقال: (ويحك! أتدري ما تقول؟ إن الله لا يستشفع به على أحد من خلقه، شأن الله أعظم من ذلك، إن الله على عرشه، وإن عرشه على سمواته وأرضه هكذا ـ وقال بأصابعه مثل القبة) ـ وفي لفظ: (وإن عرشه فوق سمواته، وسمواته فوق أرضه هكذا وقال بأصابعه مثل القبة) .

وهذا الحديث ـ وإن دل على التقبيب، وكذلك قوله عن الفردوس أنها أوسط الجنة وأعلاها، مع قوله: إن سقفها عرش الرحمن، وأن فوقها عرش الرحمن، والأوسط لا يكون الأعلى إلا في المستدير، فهذا ـ لا يدل على أنه فلك من الأفلاك، بل إذا قدر أنه فوق الأفلاك كلها أمكن هذا فيه سواء قال القائل: إنه محيط بالأفلاك، أو قال: إنه فوقها وليس محيطًا بها، كما أن وجه الأرض فوق النصف الأعلى من الأرض، وإن لم يكن محيطًا بذلك.

وقد قال إياس بن معاوية: السماء على الأرض مثل القبة، ومعلوم أن الفلك مستدير مثل ذلك، لكن لفظ القبة يستلزم استدارة من العلو، ولا يستلزم استدارة من جميع الجوانب إلا بدليل منفصل.

ولفظ الفلك يدل على الاستدارة مطلقًا، كقوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} [الأنبياء: 33] ، وقوله تعالى: {لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} [يس: 40] ، يقتضى أنها في فلك مستدير مطلقًا، كما قال ابن عباس ـ رضي الله عنهما: في فلكة مثل فلكة المغزل.

وأما لفظ القبة، فإنه لا يتعرض لهذا المعنى، لا بنفي ولا إثبات، لكن يدل على الاستدارة من العلو، كالقبة الموضوعة على الأرض.

وقد قال بعضهم: إن الأفلاك غير السموات، لكن رد عليه غيره هذا القول، بأن الله تعالى قال: {أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا} [نوح: 15، 16] ، فأخبر أنه جعل القمر فيهن، وقد أخبر أنه في الفلك، وليس هذا موضع بسط الكلام في هذا.

وتحقيق الأمر فيه، وبيان أن ما علم بالحساب ـ علمًا صحيحًا ـ لا ينافى ما جاء به السمع، وإن العلوم السمعية الصحيحة لا تنافى معقولًا صحيحًا، إذ قد بسطنا الكلام على هذا وأمثاله في غير هذا الموضع، فإن ذلك يحتاج إليه في هذا ونظائره مما قد أشكل على كثير من الناس، حيث يرون ما يقال: إنه معلوم بالعقل، مخالفًا لما يقال: إنه معلوم بالسمع، فأوجب ذلك إن كذبت كل طائفة بما لم تحط بعلمه، حتى آل الأمر بقوم من أهل الكلام إلى أن تكلموا في معارضة الفلاسفة في [الأفلاك] بكلام ليس معهم به حجة، لا من شرع ولا من عقل، وظنوا أن ذلك الكلام من نصر الشريعة، وكان ما جحدوه معلومًا بالأدلة الشرعية أيضًا.

وأما المتفلسفة وأتباعهم، فغايتهم أن يستدلوا بما شاهدوه من الحسيات، ولا يعلمون ما وراء ذلك، مثل أن يعلموا أن البخار المتصاعد ينعقد سحابًا، وأن السحاب إذا اصطك حدث عنه صوت، ونحو ذلك، لكن علمهم بهذا كعلمهم بأن المني يصير في الرحم، لكن ما الموجب لأن يكون المني المتشابه الأجزاء تخلق منه هذه الأعضاء المختلفة، والمنافع المختلفة، على هذا الترتيب المحكم المتقن الذي فيه من الحكمة والرحمة ما بهر الألباب.

وكذلك ما الموجب لأن يكون هذا الهواء، أو البخار منعقدًا سحابًا مقدرًا بقدر مخصوص في وقت مخصوص على مكان مختص به؟ وينزل على قوم عند حاجتهم إليه فيسقيهم بقدر الحاجة لا يزيد فيهلكوا ولا ينقص فيعوزوا؟ وما الموجب لأن يساق إلى الأرض الجرز التي لا تمطر، أو تمطر مطرًا لا يغنيها ـ كأرض مصر إذ كان المطر القليل لا يكفيها، والكثير يهدم أبنيتها ـ قال

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت