الصفحة 436 من 1087

أحد قوليه ـ وأحمد، ولم يجب عليه عند أبي حنيفة؛ لأنه لا يجب عنده بالنذر إلا ما كان من جنسه واجب بالشرع. وأما الجمهور فيوجبون الوفاء بكل طاعة، كما ثبت في صحيح البخارى عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصى الله فلا يعصه) . والسفر إلى المسجدين طاعة؛ فلهذا وجب الوفاء به. وأما السفر إلى بقعة غير المساجد الثلاثة، فلم يوجب أحد من العلماء السفر إليها إذا نذره. حتى نص العلماء على أنه لا يسافر إلى مسجد قباء؛ لأنه ليس من الثلاثة، مع أن مسجد قباء تستحب زيارته لمن كان بالمدينة؛ لأن ذلك ليس بشد رحل، كما في الحديث الصحيح: (من تطهر في بيته ثم أتى مسجد قباء لا يريد إلا الصلاة فيه كان كعمرة) . وفي الحاشية: وهذا الحديث رواه أهل السنن؛ كالنسائى وابن ماجه والترمذى وحسنه.

قال: وقالوا: ولأن السفر إلى زيارة قبور الأنبياء والصالحين بدعة لم يفعلها أحد من الصحابة ولا التابعين، ولا أمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا استحب ذلك أحد من أئمة المسلمين. فمن اعتقد ذلك عبادة وفعلها فهو مخالف للسنة ولإجماع الأئمة. وهذا مما ذكره أبو عبد الله ابن بطة في [الإبانة الصغرى] من البدع المخالفة للسنة. / وبهذا يظهر ضعف حجة أبي محمد المقدسى؛ لأن زيارة النبي صلى الله عليه وسلم لمسجد قباء لم تكن بشد رحل، والسفر إليه لا يجب بالنذر.

وقوله في قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تشد الرحال) : إنه محمول على نفي الاستحباب، عنه جوابان:

أحدهما: أن هذا تسليم منه أن هذا السفر ليس بعمل صالح ولا قربة ولا طاعة ولا هو من الحسنات. فإذًا من اعتقد [في] السفر لزيارة قبور الأنبياء والصالحين أنه قربة وعبادة وطاعة فقد خالف الإجماع، وإذا سافر لاعتقاده أنها طاعة كان ذلك محرما بإجماع المسلمين، فصار التحريم من هذه الجهة. ومعلوم أن أحدا لا يسافر إليها إلا لذلك. وأما إذا قدر أن الرجل سافر إليها لغرض مباح فهذا جائز، وليس من هذا الباب.

الوجه الثانى: أن هذا الحديث يقتضى النهى، والنهى يقتضى التحريم. وما ذكره السائل من الأحاديث في زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم فكلها ضعيفة باتفاق أهل العلم بالحديث، بل هى موضوعة. لم يخرج أحد من أهل السنن المعتمدة شيئا منها، ولم يحتج أحد من الأئمة بشىء منها، بل مالك إمام أهل المدينة النبوية الذين هم أعلم الناس بحكم هذه المسألة كره أن يقول الرجل: زرت قبر النبي صلى الله عليه وسلم، /ولو كان هذا اللفظ معروفا عندهم أو مشروعا أو مأثورا عن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكرهه عالم المدينة.

والإمام أحمد ـ أعلم الناس في زمانه بالسنة ـ لما سئل عن ذلك لم يكن عنده ما يعتمد عليه في ذلك من الأحاديث إلا حديث أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما من رجل يسلم علىَّ إلا رد الله علىَّ روحى حتى أرد عليه السلام) . وعلى هذا اعتمد أبو داود في سننه. وكذلك مالك في [الموطأ] رروي عن عبد الله بن عمر أنه كان إذا دخل المسجد قال: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبت. ثم ينصرف. وفي سنن أبي داود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا تتخذوا قبرى عيدا، وصلوا على حيثما كنتم؛ فإن صلاتكم تبلغنى) . وفي سنن سعيد بن منصور أن عبد الله بن الحسن بن الحسين رأى رجلا يختلف إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا تتخذوا قبرى عيدا، وصلوا على حيثما كنتم؛ فإن صلاتكم تبلغنى) ما أنتم ومن بالأندلس منه إلا سواء. وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في مرض موته: (لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) ـ يحذر ما فعلوا. قالت عائشة: ولولا ذلك لأبرز قبره، ولكن كره أن يتخذ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت